خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٦ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
و خرجت من بيتي... » [١] ، و منذ ذلك الوقت عرفت قصيدته بـ «البردة» ، كما عرفت بـ «البرأة» لأنّ البوصيريّ برئ بسببها من علّته.
ثم انطلقت هذه القصيدة تجوب الآفاق، فانتشرت بين الناس أيّما انتشار، و نشأت حولها شروح كثيرة و تناولها المقلّدون و المعارضون و المشطّرون و المربّعون، و المخمّسون... ، حتى أصبحت مجالس الصوفيّة و حلقاتها لا تفتتح و تختتم إلاّ بها [٢] . و ذلك يعود لموضوع القصيدة أولا، و لسلاسة نظمها و عذوبته، و رقّة ألفاظها و جمال تراكيبها، و روعة موسيقاها و انسياب وزنها و خفّة قافيتها و جمال رويّها، بالإضافة إلى قصّة الرؤيا التي تحدّث عنها البوصيريّ.
و لمّا كان للبردة ذاك الانتشار و ذاك الأثر، كان لا بدّ لها من أن تؤثّر في أوّل قصيدة بديعيّة تلتها على يد صفيّ الدين الحلّيّ. و من يقارن بين «البردة» و «بديعية» الحلّيّ و بين دوافع كلّ منهما، يجد بسهولة متانة العلاقة بين المدائح النبويّة عامّة و البردة خاصة من جهة، و بين البديعيات من جهة أخرى.
فالبوصيري الذي يعتبر ممثّل المدائح النبوية، و الحلّي الذي يعتبر ممثّل البديعيات، تعرّض كلّ منهما لمرض عضال ألجأهما قبل أن ينظما قصيدتيهما إلى اللّه تعالى متوسّلين بنبيّه آملين الشفاء؛ كما أنّ كليهما قد برئ من مرضه بعد نظم القصيدة، ثمّ إنّ كليهما قد سلك سبيل الشعر في توسّله للّه، و كلاهما نظم قصيدته من البحر البسيط، و رويّ الميم المكسورة، إلاّ أنّ صفيّ الدين زاد على البوصيريّ بتضمينه قصيدته الفنون البديعيّة، و قد أشار إلى ذلك عبد الغني النابلسيّ في كتابه «نفحات الأزهار على نسمات الأسحار» إذ قال: «فنظم قصيدة من بحر البسيط على قافية الميم، مدح فيها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ، مثل قصيدة البوصيري التي سمّاها «البردة» ، جامعا فيها مائة و واحدا و خمسين نوعا من البديع، و إن عدّت أصناف التجنيس نوعا واحدا بلغ ذلك مائة و أربعين نوعا... » [٣] .
كلّ هذه الاتفاقات بين الناظمين البوصيريّ و الحليّ، و بين قصيدتيهما تدلّ على
[١] فوات الوفيات للكتبي ٣/٣٦٨؛ و كشف الظنون ٢/١٣٣١-١٣٣٢.
[٢] انظر البديعيات في الأدب العربي ص ٢١.
[٣] نفحات الأزهار ص ٣.