خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٧ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
وجود روابط متينة بين «المدائح النبويّة» و «البديعيات» ، ثمّ بين هذه و التأليف البديعيّ.
و الذي يتبادر إلى الذهن هو السؤال التالي: ما أسباب نشأة البديعيّات؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ البديعيّات لم تنشأ بين ليلة و ضحاها، بل تضافرت حولها عوامل و دوافع عدّة و تفاعلت و تكاملت حتى أخرجتها إلى حيّز النور مكتملة الخلق سويّة؛ ثمّ إنّ هذه الدوافع لم تتوقّف مع ظهور هذا الفنّ، بل استمدّت قوّتها من أعماق التراث و البيئة و انطلقت تحرّض على نشأته ليكون نتيجة طبيعيّة لها، و استمرّت ترافقه في كلّ أطواره تغذّيه و تنمّيه و تساعده على رحلته الطويلة في التراث العربيّ.
و من يطّلع على نصوص البديعيات و ما تضمّنته من إشارات، يجد أنّ هناك دوافع مكنونة وراءها و أسبابا متلازمة دفعت هذا الفنّ إلى الظهور و التقدّم و النضج. و لعلّ أهمّ هذه الدوافع:
أ-الرغبة في التأليف البلاغيّ عامّة و البديعيّ خاصّة:
فبدافع معرفة إعجاز القرآن الكريم و فهم ما ورد في آي الذكر الحكيم، نشطت حركة التأليف في البلاغة عامة، و في البديع خاصّة، فهذا صفيّ الدين الحلّيّ ناظم أوّل بديعيّة يصرّح في مقدّمة شرحه لبديعيّته بأنه اعتزم على تأليف كتاب في البلاغة، و ذلك انسجاما مع تلك الحركة الناشطة في التأليف البلاغيّ في عصره، لو لا أنّ علّة لازمته فعدل عن تأليف كتاب في البلاغة إلى تأليف منظومة يجعلها بمثابة كتاب لقواعد فنّ البديع، فكانت غايته الأولى إذا تأليف كتاب يضمّ أنواع البديع التي وصل إليها و التي استخرجها من مطالعاته و قراءاته. و لنستمع إليه في مقدّمة شرحه لبديعيته يقول: «فإنّ أحقّ العلوم بالتقديم و أجدرها بالاقتباس و التعليم، بعد معرفة اللّه العظيم، معرفة حقائق كلامه الكريم و فهم ما أنزل في الذكر الحكيم، لتؤمن غائلة الشكّ و التوهيم... ، و لا سبيل إلى ذلك إلاّ بمعرفة علم البلاغة و توابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن... فجمعت ما وجدت في كتب العلماء، و أضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء، و عزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها، فعرضت لي علّة طالت مدّتها و امتدّت شدّتها، و اتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبيّ، عليه أفضل الصّلاة و السّلام، يتقاضاني المدح، و يعدني البرء من السقام، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم