خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٥ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
مديح الرسول فنّ كبير، نما و ازدهر ازدهارا كبيرا، و هو فنّ البديعيّات، و قد أكثر منه شعراء هذه الفترة، حتى لا يكاد شاعر يخلو شعره من بديعيّة يمدح فيها الرسول، إلاّ أنّ هذه البديعيات لم تعد أثرا شعريّا فنّيّا و حسب، بل طغت عليها الناحية العلميّة لما حوته من فنون و صور بديعيّة.
إذا لم يكن مديح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وحده كافيا لإنشاء القصيدة البديعيّة، رغم كونه أساسا في كيانها، إنّما أصبحت البديعيّة تضيف إلى المديح النبويّ ألوان البديع، مع المحافظة على البحر البسيط، و الميم المكسورة رويّا، و طول القصيدة أبياتا.
و يبدو أنّ الذي فجّر ينبوع البديعيّات شاعر صوفيّ مصريّ من قرية «بوصير» من أعمال بني سويف، مغربيّ الأصل، من قبيلة صنهاجة، اسمه محمد بن سعيد بن حمّاد بن عبد اللّه الصّنهاجيّ الدولاصيّ ثمّ البوصيريّ، شرف الدين، المولود سنة ٦٠٨ هـ. ، و المتوفّى في الإسكندرية سنة ٦٩٤ هـ. [١] .
لقد نظم هذا الشاعر قصيدة في مديح الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ، من مائة و ستّين بيتا [٢] ، عرفت بـ «البردة» أو «البرأة» ، مطلعها (من البسيط) :
أ من تذكّر جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم [٣]
فكانت قصيدته فتحا كبيرا في باب المدائح النبويّة، ولجه الشعراء بعده، و أصبحت مثلا يحتذى و نهجا يسلكه المادحون. و أمّا عن سبب نظم هذه القصيدة فيقول البوصيري: «كنت قد نظمت قصائد في مدح الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) منها ما كان اقترحه عليّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني فالج أبطل نصفي، ففكّرت في عمل قصيدتي هذه، فعملتها، و استشفعت بها إلى اللّه تعالى في أن يعافيني، و كرّرت إنشادها، و دعوت، و توسّلت، و نمت، فرأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ، فمسح وجهي بيده المباركة، و ألقى عليّ بردة، فانتبهت و وجدت فيّ نهضة، فقمت
[١] كشف الظنون ٢/١٣٣١.
[٢] كما وردت في الديوان ص ١٦٥ و ما بعدها؛ و في كشف الظنون ٢/١٣٣١، «من مائة و اثنين و ستين بيتا» .
[٣] ديوانه ص ١٦٥.