خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤١ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
نسمات الأسحار» : «ثمّ جاء بعده العلاّمة تقيّ الدين أبو بكر بن حجة الحموي...
فعارضه و جاراه و زاحمه فيما اقترحه و اجتراه، و لم يزد على ما ذكره من الأنواع شيئا، بل ربّما نقص عن ذلك معيبا بعض الأنواع بحسب ما اقتضته طبيعته... ثم شرح قصيدته شرحا أخذ فيه بأذيال الإطالة و ألبسه حلل السآمة و الملالة... » [١] .
ثمّ تحدّث عن سبب نظمه لبديعيته: «فعند ما شاهدت هذه البديعيات الأربع [٢] و طفقت أرتع بخيول الأفكار في مسارحها و أربع، و تأمّلت ما نقلوه في شروحها من العبارات و الشواهد، و ما نبّهوا عليه من الأغراض و المقاصد، حركتني بواعث الأفكار و تجاذبتني أيدي الخواطر الإلهية إلى اقتحام هذا المضمار... و نظمت هذه القصيدة الميميّة المسماة بـ «نسمات الأسحار في مدح النبيّ المختار» على طريقة تلك القصائد... » [٣] .
ثم عمد عبد الغنيّ النّابلسيّ إلى نظم بديعية أخرى مورّيا في أبياتها باسم النوع البديعي، و ذلك ليبرز مقدرته الشعريّة و كفاءته العلميّة، و ليزاحم الفحول في التفاخر و الظهور و الشهرة.
و دأب معظم أصحاب البديعيّات دأب هؤلاء، فكان دافعهم التقليد و حبّ الظهور و التكثّر و السعي وراء الشهرة و الرغبة في المعارضة و التفوّق؛ و قد حقّقت تلك البديعيات لأصحابها شهرة واسعة فحملت أسماءهم إلى كل أنحاء الممالك الإسلامية آنذاك، ثم تهافت الشعراء النصارى عليها فيما بعد، حتّى إن أولي الأمر من أرباب الأقلام و غيرهم، تعلّقوا بها، فهذا صاحب ديوان الإنشاء بالممالك الإسلاميّة محمّد ابن البارزي يرسم لابن حجة بنظم قصيدة بديعيّة، و ذاك السلطان الملك الناصر أحمد ابن إسماعيل بن العباس يطلب من إسماعيل بن المقرئ أن ينظم مدحة نبويّة بديعيّة على طريقة الصفيّ الحليّ. و هكذا كان تشجيع أمثال هؤلاء مشجعا للشعراء و دافعا لهم يحثّهم على خوض هذا المضمار و التنافس عليه و النهل منه و السير في ركابه.
[١] نفحات الأزهار ص ٣.
[٢] البديعيات الأربع التي شاهدها النابلسي هي: بديعيات الحلي و الموصلي و ابن حجة و عائشة الباعونية.
[٣] نفحات الأزهار ص ٣.