خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٠ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
الشهرة من بابها الواسع على صعيدي النظم و التأليف. ثمّ دأب معظم أصحاب البديعيات بعده دأبه فاقتفوا أثره في السعي وراء الشهرة و المعارضة، و حبّ الظهور و التكثّر. فهذا عزّ الدين الموصليّ، عند ما رأى ما بلغته بديعيّة الصفيّ من الشهرة، عزم على معارضته بقصيدة مثلها، و أضاف إليها التورية في البيت باسم النوع البديعيّ إلى جانب كونه شاهدا له.
و عند ما وجد شعبان الآثاري شهرة تلك القصائد، لم يكتف بنظم بديعية واحدة، بل عمد إلى نظم ثلاث بديعيات: (الصغرى و الوسطى و الكبرى) بلغ مجموع أبياتها نحو ثمانمائة و سبعين بيتا، و إنّما فعل ذلك ليدلّ على مقدرته على الزيادة و التكثّر، رغم ما في بديعيّاته من تكرار للألفاظ و التراكيب و المعاني.
أمّا ابن حجّة الحمويّ فقد صرّح في مقدّمة شرحه بمعارضة صفيّ الدين الحليّ و عزّ الدين الموصليّ معا، و البردة، فقد أراد أن يجمع مزايا القصائد الثلاث ليتفوّق عليها، فها هو يقول: «فهذه البديعية التي نسجتها على منوال طرح البردة، كان...
محمد بن البارزي... صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة... هو الذي ثقّف لي هذه الصعدة و حلب لي ضرعها الحافل... و ما ذاك إلاّ أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصليّ... التزم فيها بتسمية النوع البديعيّ، و ورّى بها من جنس الغزل، ليتميّز بذلك على الشيخ صفيّ الدين الحليّ... لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل، غير أنّ الشيخ عزّ الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن اللّه أن ترفع... و ربّما رضي في الغالب بتسمية النوع و لم يعرب عن المسمّى... فاستخار اللّه مولانا الناصريّ، ... و رسم لي بنظم قصيدة أطرز حلّتها ببديع هذا الالتزام، و أجاري الحليّ برقّة السحر الحلال... و قد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال، و جاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع، و هو من ذلك محلول العقال، و سمّيتها «تقديم أبي بكر» » [١] .
و هذا عبد الغني النابلسيّ أيضا، لاحظ شهوة الشهرة عند ابن حجّة و حبّه للظهور و التفوّق، فحاول أن ينال منه معقّبا على ذلك بقوله في مقدّمة «نفحات الأزهار على
[١] خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٠٥.
غ