خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٨ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
قصيدة تجمع أشتات البديع و تتطرّز بمدح مجده الرفيع» [١] . و إن دلّ قوله على شيء فإنّما يدلّ على الرغبة و العزم عنده على التأليف البديعيّ قبل كلّ شيء، و لو لا تلك الرؤيا ربّما لم تكن فكرة نظم الأنواع البديعية في قصيدة قد خطرت بباله أو اختلجت في ذهنه و إن كان مسبوقا إلى مثل تلك الفكرة من قبل يحيى بن عبد المعطي الزّواوي و أمين الدين الإربليّ [٢] ، ثمّ دأب دأبه كلّ من سار بعده على نهجه، و ما الأنواع الجديدة التي أتت بها البديعيات بعده إلاّ دليل واضح على وجود تلك الرغبة عند غيره من ناظمي البديعيّات.
ب-الرغبة في مدح النبيّ محمّد، (صلى اللّه عليه و سلم) ، و اتّحادها مع رغبة التأليف:
سبق أن أشرت إلى علاقة البديعيّات بالمدائح النبوية، و إذا رجعنا إلى القول السابق لصفيّ الدين الحلّيّ يتّضح لنا أنّ هناك سببين دفعا به إلى نظم بديعيته، و هي البديعيّة الأولى التي اجتمعت فيها الرغبة في مدح النبيّ، (صلى اللّه عليه و سلم) ، و الرغبة في التأليف البديعيّ، فكان كلّ منهما رديفا للآخر. و يلاحظ أنّ النازع الدينيّ قد سيطر على كلّ نظّام البديعيات فيما بعد، فجلّهم كان من الصوفيّة، كما سيطر على أصحاب البديعيات من النصارى الذين اعتمدوا هذا الفنّ في مرحلة متأخرة، و بهذا كانت هاتان الرغبتان متكافئتين متلازمتين لتساعدا على ظهور هذا الفنّ و استمراره.
ج-اجتماع الشاعريّة و التأليف عند ناظم البديعيّة:
إذا ما نظرنا نظرة عامة إلى ناظمي البديعيّات بدءا بصفيّ الدين الحليّ و انتهاء بآخرهم نستنتج أمرين هامّين:
أوّلا: أنّ ناظم البديعية شاعر متمرّس، عرك القوافي فانقادت له، و استحسن شعره الناس و رضوا عنه فوضعوه في المرتبة الأولى من القبول و الإعجاب، فصفيّ الدين الحليّ، و عزّ الدين الموصلي، و شعبان الآثاري، و ابن حجة الحمويّ، و عائشة الباعونية، و جلال الدين السيوطيّ، و عبد الغني النابلسيّ و غيرهم كانت لهم أشعار كثيرة إلى جانب بديعيّاتهم التي بلغت الذروة بين أغراضهم الشعريّة.
ثانيا: أنّ ناظم البديعية مؤلّف له مؤلّفات معروفة، و لو لا اجتماع صفة التأليف عنده مع صفة الشاعرية لما أنتج بديعيّة مقبولة، و لربّما غدت مقدرته تلك كغيرها من
[١] شرح الكافية البديعية ص ٥١، ٥٤.
[٢] سيأتي الكلام عليهما.