خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٦٦ - ١-المؤلّفات المنبثقة عن بديعيّته
أن تنظر في باب «التورية» و باب «التوجيه» لترى معظم الشواهد المكرّرة بين البابين، بالإضافة إلى اقتناص الكثير من شواهد التورية حتى بلغت حجم كتاب ضخم، جمعه فيما بعد تحت عنوان «كشف اللثام عن وجه التورية و الاستخدام» .
و بهذا ظهر ابن حجة في شرح بديعيته مدفوعا بدافعين اثنين كغيره من ناظمي البديعيات: أحدهما الجري على عادة الأغلبية و سنّة الشعراء لتوضيح الأنواع المقصودة، و يترتب على هذا أن يكون الشرح ضامرا مختصرا، و هذا ما فعله في «ثبوت الحجّة على الموصليّ و الحلّيّ لابن حجة» [١] ؛ و ثانيهما: مجاراة المشهورين في عرض ما يحملونه من بضاعة الأدب و فنونه، بل قد فاقهم في ذلك، و هذا ظاهر في «خزانته» .
و لم يتفرّد ابن حجّة بشرح بديعيته، بل لقد لقيت بديعيّته و شرحه لها عناية كبيرة من العلماء و الأدباء و البلاغيين بعده، و ما حظيت به من عناية لم تكن بديعية أخرى لتحظى به، و شاهد ذلك أنها رغم شرح ناظمها لها شرحا وافيا، فإن أحد أدباء العصر و اسمه عثمان الظاهر قد شرحها مرّة ثانية، كما شرحها محمد بن أحمد بن عثمان البسطاميّ المتوفّى سنة (٨٤٢ هـ. ) [٢] ؛ و شرحها أيضا محمد بن عيسى بن محمود بن كنان المتوفّى سنة (١١٥٣ هـ. ) ، و أطلق على شرحه اسم «المحاسن المرضيّة في شرح المنظومة البديعية» ، و ذلك بعد أن نظر في شرح ابن حجة فوجده «لم يتكلم في أكثر أحواله إلاّ في النوع و ترك شرح باقيها» ، و رأى عمله غير مكتمل، فعبّر عن غايته قائلا: «فأحببت أن أنشئ لها شرحا حسنا يحيط بها إحاطة الدائرة بفلك معدّل النهار، و يمتزج بها كما امتزج بياض الورد بالاحمرار» [٣] .
و لم تقتصر العناية ببديعية ابن حجّة على الشرح فقط، بل لقد لاقت البديعية و شرحها اهتمام الكثيرين من المشتغلين بالبلاغة فعارضوها و نهجوا نهجها في بديعياتهم و شروحهم، ففي أوائل القرن العاشر نظم الإمام جلال الدين السيوطيّ بديعية عارض بها بديعية ابن حجّة و شرحها و سمّاها «نظم البديع في مدح خير شفيع» ، و بعده توالى المشتغلون بالبلاغة قرنا فقرنا، و كانوا يعتمدون في نظم
[١] سيأتي الكلام عليه بعد قليل.
[٢] انظر هدية العارفين ٦/١٩٢-١٩٣، ٣٢٥.
[٣] البديعيات في الأدب العربي ص ١٩٣.
غ