خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٦١ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
بديعيّ يمدّه بمخزون كبير من الاطلاع على كتب البلاغة و فنون البديع، بالإضافة إلى الممارسة الطويلة للقراءة و الكتابة و الدربة على النظم و تدبيج البديع و اقتناصه نظما و نثرا. كما تتّضح من هذا النصّ الغاية الأولى التي نظم بديعيّته في سبيلها، ألا و هي معارضة الحلّيّ و الموصليّ بشكل خاصّ، و ذلك من خلال المقارنة التي اتخذها مقدّمة للوصول إلى نتيجة التدليل بحسن صنيعه و تفوّقه على عميدي فنّ البديعيات في ذلك العصر.
و يقودنا هذا النصّ إلى استنتاج بعض ميّزات ابن حجّة في مواقفه ممّن سبقه من الكتّاب و الأدباء و الشعراء بصورة عامّة؛ و ممّن سبقه إلى نظم البديعيات و شرحها بصورة خاصة. فكثيرا ما نجده يعترض على أمر ما عند بعض الشعراء، أو يبيّن سرقة شاعر أو أفضلية آخر، أو يتتبّع المعاني التي أخذها شاعر من آخر، كتتبّعه للمعاني التي أخذها صلاح الدين الصفديّ من جمال الدين بن نباتة، أو التي أخذها هذا من الوداعيّ، و ينقد عليهم أشعارهم مبيّنا وجوه الخطأ فيها و وجوه الصواب، أو ينبّه على ما أغفلوه، و لا سيّما أثناء المقارنة بين أبيات أصحاب البديعيات، فيقول، مثلا: «و العميان لم ينظموا هذا النوع... » ؛ أو يعتذر عن بعضهم، مبيّنا أعذارهم، و لا سيّما في دفاعه عن الموصليّ في بعض العقادة التي جاء بها التزامه بتسمية النوع البديعيّ، أو في عدم نظم العميان لنوع تافه من الأنواع البديعية، فيتمنّى لو كان معهم، لو لا إلزامية المعارضة. و من ناحية أخرى تجده يؤيّد آراء البعض أو يدافع عنهم، أو يستحسن اعتراض غيره على فلان، أو يورد آراء فلان في الردّ على آخر، أو يعقّب على أقوال فلان، و مع هذا تراه يحمل على بعضهم حملة عنيفة، ثمّ يدّعي أنّ الأفضلية هي في بديعيّته و شرحها، كلّ ذلك مقرونا بالشواهد و البراهين و شهادات أصحابه له من المعاصرين و المحبّين و المقرّبين، و أكثر ما تتركّز آراؤه في أفضلية «بديعيّته» على غيرها أثناء المقارنة بين بيته و أبيات البديعيّات الثلاث، في آخر كلّ باب بديعيّ من أبواب الخزانة البالغة مائة و اثنين و أربعين بابا، و قد سبقت الإشارة إلى رأيه و موقفه من البديعيات الثلاث و ما قصّرت فيه، و أسباب ذاك التقصير، إذ دفعه ذلك كلّه إلى نظم بديعيّة يعارض بها تلك البديعيات، و يشرحها فتتوضّح غاية الأرب منها.
و لهذا كلّه، لم تعد «خزانة الأدب و غاية الأرب» كتابا مقصورا على البلاغة و تعريفات أنواعها و تسميتها، بل كانت معرضا لكلّ ما تزخر به ثقافة ابن حجّة الأدبية