خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٥٦ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
الصادح» ، و ذلك لأنّ هذا الكتاب مؤلّف من أرجوزة كلّها أمثال و حكم، و لعلّه صنع هذا الصنيع ليضع بين أيدي كتّاب الإنشاء طائفة من جوامع الكلم التي يحتاجون إليها في صناعتهم، و هذا هدف من الأهداف التي كان يسعى إلى تحقيقها من خلال بعض تآليفه، و قد يكون لعامل الذوق عنده أثر كبير في إكثار الشواهد، إذ كثيرا ما كان يورد من القصيدة بيتا هو بيت الاستشهاد، إلاّ أنّه يقول: و ممّا تخيّرته من هذه القصيدة كذا و كذا، و يذكر عدّة أبيات أو يستكمل القصيدة و يعتذر بعد إيرادها كاملة بأنّ ما فيها من الطلاوة و حسن السبك هو الذي جعله يورد ما أورد، و قد سلك هذا المسلك مع من يحبّهم من الشعراء، كالمتنبّي و ابن نباتة المصريّ، و من سار على منهاجهم من جماعة المولعين بالتورية. و مع هذا فعماد بديعيّته مائة و اثنان و أربعون بيتا، تضمّنت مائة و سبعة و أربعين نوعا بديعيّا، التزم فيها التورية باسم النوع البديعيّ، على غرار ما فعله الموصليّ، و قد أخلّ بذلك بأربعة أنواع ذكرها الصفيّ في بديعيّته و هي:
التسليم، و الموازنة، و التوزيع، و الاستعانة، و قد حافظ مثله على بعض أنواع البيان كالتشبيه و الكناية و المجاز... ، إلاّ أنّ شرح هذه البديعية بلغ ما بلغه من الصفحات، إذ وصل إلى مائتين و سبع و عشرين صفحة مزدوجة في المخطوطة «الأم» ، النسخة «ك» [١] ، و كانت رغبة ابن حجّة في التفريع و التقسيم و التنويع سببا واضحا للاستفاضة في الشرح، بالإضافة إلى أنّه كان يلغي بعض الأنواع الفرعية التي لا يستلطفها ذوقه، و لهذا قال في باب «التفريع» مثلا: «و ذكر صاحب الإيضاح لـ «التفريع» قسما ثانيا لم يذكره غيره، و لا نسج على منواله أصحاب البديعيات فألغيته أيضا، و الشيخ زكيّ الدين بن أبي الأصبع اخترع قسما ثالثا، و لكن وجدت هذا النوع الذي نحن بصدده أحلى في الأذواق و أوقع في القلوب، و على سننه مشى أصحاب البديعيات، فألغيت أيضا ما اخترعه ابن أبي الأصبع» [٢] .
إذا لم يكن ابن حجة الحمويّ مجرّد مقتف لآثار البلاغيين و البديعيين في تسميتهم للأنواع البديعية، بل كان يلغي بعضها حينا، و ينتقد كبار البلاغيين أحيانا لوقوعهم في سقطات ليس من ورائها أيّ جدوى. ففي باب «المراجعة» مثلا، يصرّح بأنّه لم يذكر هذا النوع في بديعيته لو لا المعارضة، إذ إنّه نوع تافه، و قال: «المراجعة
[١] انظر عدد صفحات النسخ كلّها في مكانها من المدخل.
[٢] انظر خزانة الأدب و غاية الأرب ٤/٢٤٤.