خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٣٥ - ز-ثقافته
ز-ثقافته:
أخذ ابن حجّة الحمويّ من كلّ علم بطرف، و ذاع صيته و اشتهر علمه فأصبح ملك المتأدّبين، و إمام الأدباء، شاعر الإسلام، و رئيس دواوين الإنشاء، و أشهر كتّاب عصره المتفنّنين.
-ابن حجّة الشاعر و الأديب: لقد عانى ابن حجّة النظم في فترة مبكّرة من حياته، و كان أوّل نظمه في الزجل و المواليا، إذ لم يكن قد ملك ناصية اللغة أو زمام حذاقة التعبير، كما لم يكن لديه، في تلك الفترة، الزاد الأدبي الذي يسعفه على نظم القريض و تعاطي فنّ القصيد؛ إلاّ أنّه بالرغم من ذلك، فقد توفّرت لديه الحوافز و المشاعر الوجدانية التي دفعته إلى أن يعبّر عن أحاسيسه و وجدانه، قبل أن تنضج قريحته أو تستكمل أداة التعبير، و ذلك من خلال فنّ الزجل و المواليا، و هو ظاهرة فنّية شعبية تقوم على اللغة العامية، وسيلة التعبير السائدة آنذاك بين عامّة الشعب. و ما إن تقدّم في عمل الأزجال و المواليا، حتّى أقبل على نظم القصيد، كما يقول السخاوي [١] : و قال ابن العماد الحنبليّ:
«و عانى عمل الحرير يعقد الأزرار، و ينظم الأزجال، ثم مال إلى الأدب، و نثر و نظم» [٢] . و لقد حاول ابن حجّة أن يرفع من قدر فنّ الزجل، فقال في شرح البديعية: إن الشيخ شمس الدين بن الصائغ قد أورد في شرحه لـ «البردة» شيئا من محاسن الزجل، و استشهد فيه [٣] ؛ و ما إنّ اشتدّ ساعد ابن حجّة في هذا الفنّ و طال باعه حتى أصبح إماما فيه، و قد ألّف فيه كتابا سمّاه «بلوغ الأمل في فنّ الزّجل» .
و بعد أن اشتدّ ساعده في نظم الزجل، و تمكّن من اللغة و الأدب، انتقل إلى نظم الشعر و حذق القصيد، فانصرف إلى تحبير القصائد، و كانت أوّل محاولة شعريّة له تلك القصيدة الكافية التي مدح بها قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، و مطلعها (من البسيط) :
طربت عند سماع وصف مغناك # فكيف لو كان هذا عند مغناك [٤]
و الجدير بالذّكر أنّ هذه القصيدة عارض بها ابن حجّة قصائد كبار شعراء العصر
[١] الضوء اللامع ١١/٥٣.
[٢] شذرات الذهب ٧/٢١٩.
[٣] خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣١٦.
[٤] ديوانه ورقة ٣٦ ب.