خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٨٢ - ١-تعميم البلاغة و نشرها بين جمهور الناس
-تعميم البلاغة و نشرها بين الناس.
-ترسيخ أسس «البديع» و تأكيد انفصاله عن علمي «البيان» و «المعاني» .
-العودة بالبديع إلى أحضان المدرسة الأدبيّة.
-استنباط أنواع بديعيّة جديدة.
١-تعميم البلاغة و نشرها بين جمهور الناس:
كان إكثار الشعراء، منذ مطلع العصر العباسيّ، من المحسنات البديعية قد أثار ضجّة حول فاعليها، فانقسم الناس إثر ذلك بين رافض مستقبح، و مؤيّد مستملح، ممّا حمل بعض الأدباء، كابن المعتزّ، على التأليف في البديع، محتجّا له بشواهد من القرآن الكريم و الحديث الشريف و الشعر القديم. ثمّ استمرّ التأليف في البلاغة العربية منذ ذلك الوقت إلى زمن صفي الدين الحليّ، إلاّ أنّ كلّ ذلك لم يجعل من البلاغة فنّا يقبل عليه جمهور الناس كلّ الإقبال، بل بقيت البلاغة في برجها العاجيّ، يقتربون منها أحيانا و ينفرون منها أحيانا أخرى بحسب ما تمليه عليهم أذواقهم و ظروفهم. و لكن هذا لا يعني أنّ البلاغة بفنونها كانت غريبة عن الناس، بل إنّ قواعدها و الإكثار من استخدامها بتكلّف جعل العرب يمجّونها، حالهم في ذلك حالهم مع النحو و قواعده، فكما ألفوا الفصاحة و سلامة النطق بالفطرة و السليقة و نبذوا قواعدها و قوالبها الإلزامية، فكذلك ألفوا البلاغة، و لعلّها كانت أبين من النحو و أوضح. و لهذا لم يستطع البلاغيون، حتّى زمن البديعيات، أن يجعلوا من البلاغة فنّا شعبيّا، إنّما هيّئوا لذلك من خلال الكتب المؤلّفة في البلاغة و البديع، منذ «بيان» الجاحظ إلى «بديعية» الحلّيّ.
و عند ما جاءت البديعيّات بهذا القالب الشعريّ، ذي المضمون الدينيّ، المحمّل بأنواع البديع، طرحت نفسها في سوق الأدب تتطلّع إلى مشاعر الناس و عقولهم، و كان امتحانها الأوّل و العسير، إذ كيف سيواجه الناس قصيدة طويلة في كلّ بيت من أبياتها صورة بديعية على الأقلّ، و هم الذين استكثروا بضع صور بديعية في قصيدة ما.
و يبدو أنّ الفتح الجديد للبلاغة العربية عامة و للبديع خاصّة قد تحقّق منذ ظهور «بردة» البوصيري التي طارت في الآفاق و أحبّها الناس و حفظوها و غنّوها، و منذ معارضة الحلّيّ لهذه «البردة» ببديعيّته التي نهج فيها نهج البوصيريّ بالتزامه المديح