خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٤١ - ز-ثقافته
أوصافه مادّيّ ملموس، كأن يشبّه ممدوحه بالبحر أو الأسد أو الحسام، إلاّ أن معظم أوصافه المرئيّة التي نالت عناية كبيرة من شعره في معرض المدح وصف القلم و ما يتّصل به من الكتابة و أدواتها، و ذلك بحكم عمله ككاتب في دواوين الإنشاء، أو بحكم عمل ممدوحيه، إذ إنّ معظمهم كان من رجال القلم و الكتابة.
كما نالت طبيعة بلاد الشام التي عاش فيها، و بلاد الكنانة (مصر) التي زارها و أقام فيها، حظّا وافرا من أوصافه، فوصف من حماة طبيعتها و نواعيرها و عاصيها و رياضها و ثمارها و أزهارها و أنهارها و أطيارها، كما وصف من مصر رباها و هرمها و نيلها و أرضها و أهلها و جمال طبيعتها.
كما أنّ أوصافه في نسيبه لم تخرج عن الوصف السطحيّ الظاهريّ متناولا بذلك الخال و العارض و الخدّ و الوجه و العين و الشّعر. و من الجدير بالذكر أنّ رسالته النثرية التي أرسلها لابن مكانس في وصف حريق الشام على يد الظاهر برقوق، تعتبر نموذجا جيّدا في الأوصاف الدقيقة و الصّور الغنيّة. إلاّ أنّ هذا النسيب ذاته لم يكن عند ابن حجّة سوى مطيّة لكثير من فنونه الشعريّة، يسوقه دائما في مطالع القصائد، و مذهبه في ذلك مذهب غيره من الشعراء، و قليلة هي المعاني الغزلية الجديدة عنده، ثمّ إنّ معظم نسيبه كان حلو الألفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كزّ و لا غامض، رطب المكسر شفّاف الجوهر، يطرب الحزين و يستخفّ الرصين.
أمّا الرثاء فلم نجد منه عند ابن حجّة إلاّ النزر القليل، و من المستغرب جدّا أن صديقه الحميم ناصر الدين بن البارزي الذي مدحه بأكثر من ثلاث قصائد، لم يظفر منه بقصيدة رثاء واحدة، و الأغرب من ذلك أنّه كان له ابن اسمه «محمد» اختطفته يد المنون و لم يكتمل عمره أربع سنوات، و مع ذلك لم يقل فيه قصيدة رثاء واحدة؛ أو لعلّ ابن حجة أودع رثاءه مصنّفا مستقلا و ضاع مع غيره من الكتب الضائعة [١] . إلاّ أنّ هناك نوعا آخر من الرثاء عند ابن حجّة، و إن كان قليلا، هو رثاء المدن التي أغار عليها الطامعون فنهبوها و سلبوها و قوّضوا ما بها من حضارة، فممّا قاله في رثاء دار السعادة في حماة (من الكامل) :
دار السعادة كان قد حلّ الشّقا # فيها و جاورها زمان أسود
[١] «ابن حجة الحمويّ شاعرا و ناقدا» ص ١٥١.