خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٣٨ - ز-ثقافته
بعد تخميسها بـ «رشف المنهلين» ؛ و ميميّة الفيّوميّ [١] .
و أمّا التشطير و التضمين فهو أن يأخذ الشاعر بشطر من أشطر شاعر آخر و يضمّنه في قصيدته، كما فعل ابن حجّة في تشطير بعض قصائد المتنبي و تضمينها في شعره [٢] .
إلاّ أنّ هذه الأنواع من النظم و إن كانت تدلّ على ضعف في الشاعر و كسل فكريّ لديه و هروب من الابتكار، فهي تدلّ على عنصر قوّة عند الشاعر، و هو شدّة الحبك بين الأبيات المضمّنة في المشطّرات أو المخمّسات و الأبيات الأصيلة، فيتلاحم المعنى في البيت الواحد بشطريه و كأنّه لشاعر واحد، و لا يخلو هذا الحبك من حذق و براعة و دقّة في استخدام الألفاظ و تتابع المعاني ليجيء بعضها آخذا برقاب بعض.
و لقد عرف ابن حجّة الحمويّ جميع الفنون الشعريّة التي كانت سائدة عند الشعراء الذين سبقوه و الذين عاصروه، فأخذ يمثّلها في شعره أفضل تمثيل، بل أخذ من كل فنّ من فنون عصره بطرف، فكان في شعره المديح و النسيب و الوصف و الهجاء و الرثاء و الاعتذار...
و أوّل هذه الأغراض التي برع فيها ابن حجّة هو المدح، الذي استأثر بالقسط الأكبر من شعره حتى ليكاد يشمل ثلاثة أرباع شعره؛ حتى ظن صاحب «هديّة العارفين» أن ديوانه «جنى الجنتين» هو شعره الذي قاله في المدح [٣] . إلاّ أن للمدح النبويّ عنده قصائد رائعة و مطوّلات بديعة، و لقد جهد ابن حجّة في معارضة قصيدة كعب بن زهير في مدح الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم) ، بقصيدة لاميّة مطلعها (من البسيط) :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # متيّم إثرها لم يفد مكبول [٤]
إلاّ أن الفرق بين القصيدتين واضح جليّ، فقصيدة كعب رصينة، محكمة النسج، متينة التراكيب، دقيقة العبارة، أمّا قصيدة ابن حجّة فمفعمة بالتورية، حافلة بالجناس و الطباق، محشوّة بالتضامين التي أخذها من قصيدة كعب ذاتها، و مطلعها (من البسيط) :
[١] انظر ديوانه ورقة ٤٥ ب-٥٧ أ.
[٢] انظر ديوانه ورقة ٤٥ أ-٤٥ ب.
[٣] هدية العارفين ٥/٧٣١.
[٤] ديوانه ص ٢٦.