خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٥٣ - ح-شخصيّته و أقوال النّاس فيه
و لم يكتف خصومه بذلك، بل لقد تنكّروا له و لا سيّما تلاميذه، بعد أن كانوا معجبين به لفترة طويلة من الزمن، فراحوا يتتبّعون مثالبه و يظهرونها، و على رأسهم تلميذه النواجيّ الذي تناوله في كتابه «الحجّة في سرقات ابن حجّة» ، و قد أخذ فيه على عاتقه أن يتتبّع سرقاته في ديوانه المسمّى بـ «جنى الجنتّين» ، إذ يقول: «حتّى أنه قال مرارا في ملأ من أصحابه: «إنّ مملكة مصر لم يصر لها حالة إلاّ به» ، و قال مرّة:
«لو شئت كلّ وظيفة لولّيتها، و لكني، و اللّه، لو أعطيت الخلافة ما رضيتها» ؛ و نادى بباب الجامع الأزهر على رءوس الأفاضل و الأماثل: كلّ من في المشرق و المغرب تحت خفّي و نازل» [١] . و لم يكن النواجيّ هو البادئ في تنكّره لأستاذه، بل كان ابن حجّة قد سبقه بدوره إلى تنكّره لأستاذه عز الدين الموصليّ، و من يطّلع على خزانته يجد بوضوح كم مرّة صبّ لواذع كلمه على بديعيّة شيخه، مسفّها رأيه مزريا به، فقيّض له اللّه من ينقّب عن مثالبه و سرقاته و يؤلّف فيها كتابا.
إلاّ أنّه كان رغم ذلك إماما عالما في الأدب، طويل النفس في النظم و النثر، و قد قال عنه السخاوي: «كان إماما عارفا بفنون الأدب، متقدّما فيها، ... حسن الأخلاق و المروءة، مع بعض زهو و إعجاب، و مداومة على خضب لحيته بالحمرة إلى أن أسنّ» [٢] ، كما ذكره ابن خطيب الناصريّة فقال: «الإمام الأريب البليغ الفاضل الناظم الناثر إمام أهل الأدب في زمنه» [٣] .
و قد قرّظه ابن حجر العسقلاني في ثنايا تقريظه لشرح بديعيته قائلا: «أشهد أنّ أبا بكر مقدّم على أنظاره، و لا أعدل في هذه الشهادة من أحمد، و أجزم برفعة قدره على كلّ من انتصب لهذا الفنّ و لا أبلغ من حاكم يشهد، لقد بلغ أشدّه في البلاغة و استوى، و ثبت رشده عند غواة الأدب... » [٤] .
و كان لابن حجر في ابن حجّة تقاريظ أخرى. كما وصفه أحد المؤرّخين فقال:
[١] «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ٥٢.
[٢] الضوء اللامع ١١/٥٣؛ و الأعلام ٢/٦٧؛ و «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ٥٢.
[٣] «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ٥٢.
[٤] هذا التقريظ في آخر النسخة ب (ج ٢) من «شرح البديعية» ، بعد المتن، و سيأتي أثناء الكلام على «شرح بديعيته» في قسم الدراسة.
غ