خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٦ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
و حمل لواءه و حاز به قصب السبق، و يتمثل ذلك في بديعيّته التي سمّاها «الكافية البديعيّة في المدائح النبوية» ، و مطلعها (من البسيط) :
إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم # و اقرأ السلام على عرب بذي سلم [١]
و يبدو أن شيوع مصطلح «بديعية» و «بديعيات» لهذا النوع من القصائد مردّه إلى تسمية الحلّيّ لقصيدته: «الكافية البديعية... » . و بهذا تكون ولادة أوّل بديعيّة كاملة الإنشاء و التكوين على يد صفيّ الدين الحلّيّ.
و يقف بين الموقف الأوّل و الثاني أحمد إبراهيم موسى صاحب «الصبغ البديعي» موقفا ثالثا، فيرى أنّ التحقيق في مسألة الأسبقية و الابتكار معا على خلاف ما قرّره مبارك و جمهور الباحثين جميعا، فليس ابن جابر، كما ذهب مبارك، و ليس صفيّ الدين الحلّيّ، كما جزم الجمهور بأوّل سابق إلى هذا الفنّ، بل كلاهما مسبوق بشاعر مصريّ، أشار إليه الكتبيّ في كتابه «فوات الوفيات» [٢] ، و هو علي بن عثمان بن علي ابن سليمان الإربليّ الصوفي الشاعر... إذ نظم قصيدة مؤلّفة من ستّة و ثلاثين بيتا ضمّن كل بيت فيها نوعا من البديع، و مطلعها (من الخفيف) :
بعض هذا الدلال و الإدلال # حالي الهجر و التّجنّب حالي [٣]
و يرى أحمد موسى في كتابه «الصبغ البديعي» أنّ أمين الدين الإربليّ السليمانيّ هو صاحب المحاولة الأولى في هذا الفنّ الجديد، و له الأسبقية فيه، و أنّ زكي مبارك مسرف في دعواه حينما زعم أن البديعيات متفرعة عن المدائح النبويّة، إذ رأى أن موضوع قصيدة السليمانيّ مدح غير نبويّ؛ و قد استدلّ على أسبقيّة السليمانيّ بما جاء في كتاب ابن معصوم «أنوار الربيع في أنواع البديع» [٤] و قد استخلص منه أنّ «للبديعيات ثلاثة أطوار: أمّا الأوّل: فهو طور التأليف، و قد كان ذلك على يد السليمانيّ المتوفّى سنة ٦٧٠ هـ. ، في قصيدته البديعية التي نظمها على بحر الخفيف في المدح و على رويّ اللام. و أمّا الثاني: فقد كان على يد صفيّ الدين الحلّيّ
[١] البيت في ديوانه ص ٦٨٥؛ و شرح الكافية البديعية ص ٥٧؛ و نفحات الأزهار ص ١٢.
[٢] فوات الوفيات ٢/١١٨.
[٣] انظر فوات الوفيات ٢/١١٨؛ و الصبغ البديعي ص ٣٧٧؛ و «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ١٩٠.
[٤] أنوار الربيع في أنواع البديع ١/٣١.
غ