خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٤٩ - ز-ثقافته
تمام التعبير عمّا يريد، و إذا عجز عن ذلك هرع إلى ناصر الدين البارزيّ ليشير عليه بآرائه النقديّة و إرشاداته التهذيبيّة؛ كما كان يأخذ برأي تلميذه النواجيّ في كثير من نظمه، و لم يكتف ابن حجّة بتطبيق ذلك على الشعر، بل تجاوزه إلى النثر، و لهذا فقد فتح بابا في خزانته تحدّث فيه عن «التهذيب و التأديب» و خصّه بالشعر و النثر [١] .
و من آرائه النقديّة الجيّدة محاولة تفسيره للشعر بأنّه ابن بيئته و صدى لعصره، محاولا التماس العذر للشاعر القديم عند استمداده صوره الشعرية من معطيات بيئته، سواء أ كانت هذه المعطيات منسجمة مع الذوق المعاصر أم غير منسجمة. و من آرائه النقديّة أنه أباح الاستشهاد بكلام المحدثين في علوم البلاغة من معان و بيان و بديع، بل لا يرى مانعا من الاستشهاد في ذلك بشعر المعاصرين و زجلهم و نثرهم [٢] . كما يرى ابن حجّة الحمويّ أنّ ظاهرة السرقات الشعرية أصبحت من المسلّمات في عصره، فلا بدّ إذا من قبولها و إقرارها لشيوعها، و لا سيّما أن الشاعر السارق لم يعد يخجل لسرقته، بل كان أجرأ على الاعتراف بالسرقة عمّا كان عليه الشعراء الأوائل، فهذا ابن الورديّ يقول (من الوافر) :
و أسرق ما استطعت من المعاني # فإن فقت القديم حمدت سيري
و إن ساويت من قبلي فحسبي # مساواة القديم و ذا لخيري
و إن كان القديم أتمّ معنى # فذلك مبلغي و مطار طيري
و إنّ الدّرهم المضروب باسمي # أحبّ إليّ من دينار غيري [٣]
و قد أكثر ابن حجّة من الحديث عن السرقة، مجيزا السرقة بالمعنى دون اللفظ، كما تتبّع سرقات معاصريه و بيّنها، كسرقات ابن نباتة من الوداعيّ، و سرقات الصفديّ من ابن نباتة [٤] .
و من آرائه المصيبة في النقد أخذه بعين الاعتبار الحالة النفسيّة للمخاطب، و لا سيّما في مطلع القصيدة، إذ يقول فيه: «أوّل شيء يقرع الأسماع، و يتعيّن على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين و الممدوحين، ... و خطاب الملوك في حسن الابتداء هو
[١] انظر خزانة الأدب و غاية الأرب ٣/١٧٢.
[٢] انظر خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣١٤.
[٣] ديوانه ص ٢٦٤؛ و «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ٢٢٢.
[٤] انظر خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٥٣.