خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٩٤ - ٢-ما قاله العلماء و النقّاد في «البديعية» و «شرحها» (تقاريظ و مآخذ)
على الأرجل بل على الأحداق، قد نشر في علم البديع علمها فما انطوى، و تطلّعت من بيوتها سكّان المعاني كأنّها تنظر من ميمات الرويّ في كوى، و كأنّما تلك الميم نغر صدر عن منهل الفصاحة رويّا، أو خاتم طبع به على ما في تلك البيوت من ذخائر الأدب/و أحسن بها حليّا، أو هالة بدر طلع في فلك البراعة، أو عروة تمسّك بها رجال هذه الصناعة، أو عين تحدّق إلى وجوه المعاني الحسان، أو تفجّر من ينابيع البلاغة بما يحلّي اللسان، أو مشكاة سطعت في كلّ بيت أنوارها، أو جام دارت به راح الأدب، فلذّ إسكارها، فحيّا اللّه بديعيّة أسرت الأقلام لتقريظها، فحبّرت الطروس، و رأت أن هذا مقام يطلب فيه الأدب، فسعت على الرءوس، قد نفحت في ألفاظها أرواح معان لو عارضها ابن ممّاتي للقي شدّة الممات، و أخرجت من بحر البسيط دررا لو وازنها المعرّي لخاض من عماه في بحر الظلمات، و دقّت معانيها فجلّ ما فتح لها في أبواب البديع من المزايا، و جهّزت جيش البلاغة فلا تعبأ بالحلّيّ، و لو انتصر من أبيه بسرايا، فكيف بقاء الصفيّ المذكور بكدره، أو الأعمى مع فساد نظره، أو العزّ الموصليّ، و قد باء بالذلّ لتعقيد تركيبه و قلقه، و قيّدت سلاسل حروفها إلى مصرعه، و كانت ميم الرويّ غلاّ لعنقه، هذا و لو شاهدها الخليع لتمزّق في حبّها، أو الببغاء لسقط على نقط سطورها يلتقط من حبّها، أو ابن اللبّانة، لقال:
هذه زبدة البلاغة/أو ابن الصائغ لقال: هذا خاتم بهذه الصناعة، و هكذا تكون الصياغة، و ما ذا عسى أن أقول، و لو وفّقت لوقفت عن التقريض، و قعدت عن القول فقد أوقعني في الطويل العريض، لسان المرء ينبئ عن حجاه، و عيّ المرء يستره السكوت، لكنّي أمرت فذهلت، و الأمر المهول نقيض بالذهول، و أوجب عليّ عقد المحبّة أن أمتثل فقابلت بالإيجاب و القبول، و وجدت مكان القول ذا سعة إلاّ أنّ العبارة ضيّقة، و الفكرة بلباس العجز متردّية على أنّها بأسباب الحوادث منخنقة، و الزمن قد كادني بسهام أوتاره المصيبة و رماني بأنكاد، بعد أن كاد، و أسياف الخطوب ليس لها إلاّ الجوانح أغماد، و بلد ذهني مع أنّي أصبحت ذكيّا بمداه، و سألته كفّ العنان عن الأعيان، فما قصّر عن مداه، أستغفر اللّه فإنّي دعوته الآن، فلم أكن بدعائه شقيّا، و أغضيت عن زلاّته حيث هداني لسيّد أراه على كلّ حال تقيّا، فهو و اللّه إمام العصر و ما تمّ إلاّ التسليم، و بديع الزمان الذي جمع المحاسن، و قسمها على كلامه، فأبدع في الجمع و التقسيم، و حسنة الدهر الذي محا جميع سيّئاته،