خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٣ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
٦٢٨ هـ. ؛ و علي بن عثمان أمين الدين الإربليّ المتوفّى سنة ٦٧٠ هـ. ؛ و صفيّ الدين الحليّ المتوفّى سنة ٧٥٠ هـ. ؛ و محمد بن أحمد بن جابر الأندلسيّ المتوفّى سنة ٧٧٩ هـ. ، و لكلّ من هؤلاء الدارسين حججه و براهينه على رأيه، لذا كان لا بدّ من الفصل بين هؤلاء الأربعة، و إعطاء واحد منهم فقط حقّ الأوّلية و الريادة، و تحديد مواقع الآخرين منه.
فزكيّ مبارك يعزو بكثير من الجزم نشوء أوّل بديعيّة إلى الشاعر محمّد بن جابر الأندلسيّ، إذ يرى أن «البديعيات» ما هي إلاّ أثر من آثار «بردة» البوصيري، تمثّلت في بدء الأمر عند ابن جابر الأندلسيّ الذي أحبّ البردة و شغف بها، و قد شغل نفسه بمعارضتها «و لكن أيّ معارضة؟!لقد ابتكر فنّا جديدا هو «البديعيات» ، و ذلك أن تكون القصيدة في مدح الرسول، و لكن كلّ بيت من أبياتها يشير إلى فنّ من فنون البديع» [١] ، و مطلع هذه البديعية (من البسيط) :
بطيبة انزل و يمّم سيّد الأمم # و انشر له المدح و انثر أطيب الكلم [٢]
و قد رأى معاصرو ابن جابر قيمة هذا الفنّ الجديد، فتقدّم صديقه أبو جعفر الرّعينيّ الإلبيري بشرح بديعيته، و اعترف له بالسبق إذ قال في مقدمة هذا الشرح [٣] :
«نادرة في فنّها، فريدة في حسنها، تجني ثمر البلاغة من غصنها، و تنهل سواكب الإجادة من مزنها، لم ينسج على منوالها، و لا سمحت قريحة بمثالها» [٤] .
و لعلّ هذه المقدّمة هي التي أوهمت بعض الدارسين أن يجزم بأوليّة ابن جابر الأندلسيّ الأعمى، و الذي تعرف بديعيّته بـ «بديعيّة العميان» ، رغم أنّ العلماء المعاصرين لابن جابر، و الذين كانوا أصدقاءه، لم يذكروا له هذه الأولّية، و على رأسهم صلاح الدين الصفديّ، المتوفّى بعد صفيّ الدين الحلّيّ بأربع عشرة سنة، و كان أستاذا لابن جابر، و صديقا له و راويا لأخباره و أشعاره، و مع ذلك لم يذكر شيئا عن بديعيّة ابن جابر، و لعلّ هذا نظمها بعد وفاة صديقه الصفديّ، و هذا يعني أنّه
[١] المدائح النبوية في الأدب العربي ص ١٦٩.
[٢] الحلة السيرا في مدح خير الورى ص ٢٨.
[٣] المسمى بـ «طراز الحلّة و شفاء الغلّة» .
(الحلة السّيرا في مدح خير الورى ص ١٩) .
[٤] المدائح النبوية في الأدب العربي ص ١٦٨.