خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٢٤ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
و الترصيع و الإفراط في الصفة و ائتلاف اللفظ مع المعنى.
و لعلّ أوّل محاولة علمية جادّة في مجال علم البديع تلك المحاولة التي قام بها ابن المعتزّ سنة ٢٧٤ هـ. ، إذ كان السبّاق إلى جعل تلك الفنون تحت اسم «البديع» في كتاب خاصّ يحمل الاسم نفسه، فكان أوّل من فنّن منهج البلاغة و وسائل تحسين الأسلوب الأدبي، و أوّل من فتح الطريق أمام كثير من علماء البلاغة الذين استهوتهم هذه الصّنعة، فاستخرجوا أنواعا لا تحصى، و بذلك كان ابن المعتز واضع علم البديع، في أوّل كتاب يحمل معنى هذا العلم، و قد أشار إلى ذلك في كتابه بقوله:
«و ما جمع فنون البديع و لا سبقني إليه أحد» [١] . و قد ضمّن ابن المعتزّ كتابه هذا الألوان البديعية التي سادت عصره، و هي ثمانية عشر نوعا، أطلق على الخمسة الأولى منها مصطلح «البديع» ، و هي: الاستعارة، التجنيس، المطابقة، ردّ أعجاز الكلام على ما تقدّمها، و المذهب الكلاميّ؛ و أطلق على الأنواع الأخرى مصطلح «محاسن الكلام و الشعر» ، و هي: الالتفات، الاعتراض، الرجوع، حسن الخروج، تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، تجاهل العارف، الهزل الذي يراد به الجدّ، حسن التضمين، التعريض و الكناية، الإفراط في الصفة [٢] ، حسن التشبيه، إعنات الشاعر نفسه [٣] ، و حسن الابتداء، دون أن يبيّن سبب فصل أنواع البديع عن محاسن الكلام رغم أنّهما مصطلحان لموضوع واحد. هذا و لم يذكر ابن المعتز في كتابه من سبقه إلى بحث في قضايا البديع سوى الأصمعيّ الذي قال إنّ له بحثا في الجناس، و الجاحظ الذي قال إنّه أوّل من سمّى «المذهب الكلاميّ» . و هذا يعني أنّ معظم هذه الأنواع سبقه إليها من تقدّمه، أمّا الأنواع المبتكرة فهي: ردّ أعجاز الكلام على ما تقدّمها، تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، الهزل الذي يراد به الجدّ، تجاهل العارف، و إعنات الشاعر نفسه (لزوم ما لا يلزم) .
و من النقّاد الذين تلقّفوا محاولة ابن المعتزّ هذه معاصره الذي خلفه في أوائل القرن الرابع الهجريّ قدامة بن جعفر، إذ جمع من البديع أنواعا كثيرة بلغت عنده
[١] كتاب البديع ص ٥٨.
[٢] المبالغة.
[٣] لزوم ما لا يلزم.