خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٢٦ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
و كانت نظرة الباقلاّنيّ إلى البديع شاملة، و قد ذكر كثيرا من فنونه في كتابه «إعجاز القرآن» بلغت الثلاثين، إلاّ أنّه رأى أن لا سبيل إلى معرفة الإعجاز من البديع الذي ادّعوه في الشعر و وصفوه، و ذلك لأنّ هذا الفنّ ليس فيه ممّا يخرق العادة و يخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلّم و التدرّب [١] .
و إذا ما انتقلنا إلى القرن الخامس الهجري فإنّنا نلتقي بأديب مغربيّ اهتمّ بالشعر و آدابه اهتماما كبيرا، فنضج الإحساس الفنّي في كتابه «العمدة في محاسن الشعر و آدابه و نقده» ، و حظي البديع فيه بنصيب وافر من البحث و الشرح. و ما يلاحظ في كتابه أنّه أفرد أبوابا منه لمباحث البيان، و أخرى للمحسّنات البديعيّة، و هذا يدلّ على أنّه قد بدأ يستقرّ في أذهان النقّاد و أهل البلاغة أن «البيان» غير «البديع» ، و إن خلطوا بين أنواع البيان و البديع؛ و عند كلامه على البديع يفرّق بينه و بين المخترع، ثم يرى أنّ أوّل من جمع البديع هو ابن المعتزّ [٢] .
و قد جمع ابن رشيق في كتابه تسعة و عشرين نوعا من البديع، ورد بعضها عند من سبقه و زاد بعضها و قد بلغت الأنواع الجديدة عنده تسعة. و تتميز دراسة ابن رشيق لما ذكره من فنون البديع بأنها أكثر تفصيلا و إن كانت امتدادا لما ذكره من قبله، فهو يعرّف الفنّ البديعيّ ثم يتبعه بالشواهد من الشعر و النثر، و قلّما كان يعرض للشاهد بالشرح اعتمادا على فطنة القرّاء.
ثم أتى ابن سنان الخفاجي، و نظر في هذا الحشد من ألوان البديع، فرأى أن بعضها ينشأ من وضع الألفاظ في مواضعها، و بعضها ينشأ من مناسبة الألفاظ للمعاني، و إذا به في كتابه «سرّ الفصاحة» يعالج فنون البديع في سير حديثه عن حسن اللفظ و حسن المعنى، و يجعلها على نوعين: نوع يتعلّق بالألفاظ، و آخر يتعلّق بالمعاني، فكانت نظرته المتأمّلة هذه مدخلا للعلماء و المتأخرين أن يقسّموا البديع إلى محسّنات بديعية و أخرى معنويّة [٣] .
و تزدهر الدراسات البلاغية في القرن الخامس الهجريّ على يد عبد القاهر
[١] إعجاز القرآن ص ١٥٩، ١٦٢.
[٢] العمدة ١/٤١٥، ٤٢٠.
[٣] سر الفصاحة ص ١١٠، ١١٨ و ما بعدها.