خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٨٤ - ٣-العودة بالبديع إلى المدرسة الأدبيّة
«مفتاح» السّكاكيّ ليفتح باب البلاغة على مصراعين: علم المعاني و علم البيان، إلاّ أنّه عدّ أنواع البديع وجوها يصار إليها لتحسين الكلام و قسّمها إلى محسّنات لفظيّة و أخرى معنويّة، ثم جاء القزوينيّ بـ «تلخيصه» ليجعل من «البديع» قسيما لعلمي «البيان» و «المعاني» ، يزاحمهما في مجالات الأدب، و عرّفه بقوله: «هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة و وضوح الدلالة» [١] ، و جمع من أنواع هذه الفنون سبعة و ثلاثين نوعا.
إذا في القرن السابع الهجريّ تمّ انفصال هذا الفنّ «البديع» و استقلاله عن علمي «المعاني» و «البيان» ، و هذا يعني أنّ ظهور أوّل بديعية إلى الوجود على يد الحلّيّ و اكبت هذا الانفصال، أو لنقل: إنّ هذا الانفصال كان حديث العهد أثناء ولادة «البديعيات» .
و من هنا كان ظهور البديعيات، و اشتمالها على فنون البديع عامّة دليلا مميّزا و واضحا في تأكيد انفصال هذا الفنّ عن علمي «البيان» و «المعاني» ، و إشاعة هذا الانفصال بين الناس عن طريقها، رغم أنّهم جعلوا ضمن أنواع البديع بعضا ممّا يعتبر اليوم من البيان، كالتشبيه و الاستعارة و الكناية و المجاز.
و ما أكّد هذه الظاهرة الانفصالية لهذا الفن ترسيخ قواعده و توضيح أنواعه و تحديدها من خلال الشروح التي قامت على «البديعيات» و اقتصارها على فنون البديع المعروضة في ثنايا البديعية أو التي تلمح منها، كما أنّ الإشارة إلى حياة هذا الفنّ، منذ نشأته إلى زمن البديعيات، في مقدمات تلك الشروح، ساعدت على استقلال فنّ البديع بنفسه و توضيح معالمه، و ترسيخ أسسه، و تحديد فنونه، و نشر ذلك كلّه بين جمهور الناس؛ فكان ظهور البديعيات إذا و مؤازرة تلك الشروح لها، و انتشارها السريع بين الناس أكبر مساعد على تأكيد تلك الظاهرة الانفصاليّة لهذا الفنّ.
٣-العودة بالبديع إلى المدرسة الأدبيّة:
عرفت البلاغة العربية في مناهج بحثها الأولى اتجاهين واضحين، رغم أنّ كتب البلاغة قد يأخذ بعضها من بعض و تتّفق في المنهج إلى حدّ ما، فمن البلاغيين من سيطرت على كتبهم النزعة الأدبية، و منهم من سيطرت على كتبهم النزعة الفلسفيّة
[١] انظر دراسات بلاغية و نقدية ص ١٣-١٤.