خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٥٥ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
و ألمّ به، إلاّ أنّه وقف وقفة طويلة عند شعر المتأخرين من معاصريه، و حشد لهم نماذج كثيرة من الشعر و النثر، كما أكثر من حشد نماذج شعرية و نثرية من تأليفه، و تجاوز ذلك ليستشهد بالزجل و الدوبيت و الموشّح و المواليا، و لئلاّ يلومه لائم على هذا الاستشهاد بشعر المتأخّرين و نثرهم، قدّم بين يدي كتابه مقدّمة ذكر فيها آراء بعض العلماء القدامى التي مؤدّاها أن لا مانع من الاستشهاد بشعر المتأخّرين.
و يلاحظ على استشهاد ابن حجّة ببعض أدب معاصريه أنه كان يميل إلى التزلّف و التملّق لبعض الشخصيات البارزة في زمانه، إذ يرفعها إلى مصاف الأدباء الذين يصحّ الاستشهاد بكلامهم كاستشهاده ببعض المواليا التي نظمها زين الدين بن العجميّ. و قد أكثر من الشواهد في خزانته ما أدّى إلى أن تبدو على هذا الشكل من الضخامة، فهو، مثلا، يستشهد بالبيت أو البيتين أو الثلاثة على ظاهرة أو نوع بديعيّ، إلاّ أنه لا يكتفي بذلك، بل يقول: و أعجبني من هذه القصيدة قوله كذا...
و يورد عدّة أبيات، و تذكره القصيدة بقصيدة أخرى فيذكرها، أو يذكر منها عدة أبيات، فلهذا كثرت الشواهد، و ربّما كان تضخّم شواهد البلاغة في هذا العصر عائدا إلى كون المشتغلين بالبلاغة فتحوا باب الاستشهاد على مصراعيه و لم يجعلوا له حدودا معيّنة، كما فعل المشتغلون في علم اللغة و النحو، فأباحوا لأنفسهم أن يستشهدوا بكلام المتأخّرين و المتقدّمين على حدّ سواء، و من يتتبّع أعمال المشتغلين بالبلاغة، يلاحظ ازدياد الشواهد على النوع الواحد بتطوّر الزمن، فكلّ عالم من علماء اللّغة يقتنص الشواهد، فيأتي غيره فيغير عليها، و لا يكتفي بها بل يزيد من شواهد معاصريه، و ما إن وصلت الأنواع البديعية إلى القرن التاسع حتى كانت الشواهد من الكثرة بمكان بعيد؛ و الذي زاد في كثرة الشواهد في خزانة ابن حجّة أنّ الشعراء المتأخرين في عصره و قبله بقرون كان إسرافهم في البديع إسرافا كبيرا، و هذا ما جعل شعرهم مرتعا خصيبا للشواهد البديعية، فكان النقّاد و البلاغيون أنّى ساروا وجدوا شعرا يمكنهم الاستشهاد به.
و ما زاد في تضخّم كتاب ابن حجّة بالإضافة إلى ذلك حبّ الإكثار و التدليل على سعة ثقافته، فقد أورد مثلا في باب «إرسال المثل» كل ما اقتنصه متتبّعو شعر المتنبّي من حكمته فبلغت أربعمائة بيت و مائة شطر، و لم يكتف بهذا، بل أورد كتابا كاملا له في الاستشهاد على هذا النوع البديعيّ «إرسال المثل» ، و هو كتابه المسمّى بـ «تغريد