خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٨ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
و يشير علي أبو زيد في كتابه «البديعيات في الأدب العربي» إلى أن الإربليّ قد سبق أيضا بمن نظم أنواع البديع في قصيدة، و إنّ اختلفت الطريقة التي سلكها كلّ من السابق و المسبوق، فالفكرة تكاد تكون واحدة، و هي حشد أنواع البديع في منظومة شعريّة، إذ نظم يحيى بن عبد المعطي الزواوي المتوفّى سنة ٦٢٨ هـ. ، قصيدة مؤلّفة من أبيات، كلّ عدد منها مستقلّ في وزنه و قافيته، و ذكر فيها أوّلا شواهد هذا البديع نظما، يذكر الشاهد ضمن بيت أو بيتين له، ثمّ يذكر بعد ذلك نظما اسم نوع البديع وحده» . يقول المؤلف فيها (من الطويل) :
و بعد فإنّي ذاكر لمن ارتضى # بنظمي العروض المجتلى و القوافيا
أتيت بأبيات البديع شواهدا # أضمّ إليها في نظيمي الأساميا [١]
و سمّى قصيدته هذه: «البديع في علم البديع» [٢] .
بعد هذا، لا بدّ من الوصول إلى تحديد أول ناظم ولدت البديعية الأولى على يده، و تحديد مواقع الآخرين منه.
فأما موقف مبارك فلا دليل يسانده إلاّ ما اجتزأه من مقدّمة شرح الرّعينيّ لبديعية ابن جابر، و ذاك لا يكفي ليكون دليلا كافيا على تقديم ابن جابر على صفيّ الدين الحلّيّ، متجاهلا بذلك ثلاثين عاما كانت بين وفاة الحلّيّ و وفاة ابن جابر.
ثمّ إنّ الحجج التي قدّمها محمود الربداوي و جمهور الباحثين، فيها من الإجماع على تقديم الحليّ على ابن جابر الأندلسيّ ما يكفي و يدعم الرأي القائل بتأخير هذا عن ذاك؛ و حسب الحليّ من الأوّليّة أنه كان أوّل من سنّ سنّة بحر البسيط و القافية الميمية المكسورة و مدح الرسول منهجا لبديعيّة، و أوّل من أطلق على هذا الفنّ هذا الاسم في تسميته لبديعيّته «الكافية البديعية» ، كما أنّ معظم الذين نظموا البديعيات في القرن الثامن الهجريّ و هم طليعة و روّاد نظّام البديعيات كانوا يعارضون الحلّيّ و يصرّحون بذلك، و لا يقولون أنّهم عارضوا ابن جابر، منهم: شهاب الدين أحمد العطّار المتوفّى سنة ٧٩٤ هـ. ، صاحب البديعية المسمّاة «فتح الإلّي في مطارحة الحلّيّ» [٣] ، و شعبان الآثاري المتوفّى سنة ٨٢٨ هـ. ، و صاحب البديعيّات الثلاث:
«بديع البديع في مدح الشفيع» و هي الصغرى، و «العقد البديع في مديح الشفيع» ،
[١] فهرس المخطوطات المصورة ١/٤٠٩.
[٢] البديعيات في الأدب العربي ص ٦٨.
[٣] كشف الظنون ٢/١٢٣١.