خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٥٠ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
قوله: «و من كلّ هذا نستطيع أن نحكم بأسبقية الحلّيّ على ابن جابر في نظم البديعية، و لكن لا نستطيع أن نقول أنه أوّل من ابتكر فنّ البديعيات... ذلك لأننا نعلم أنّ شاعرا اسمه الشيخ علي بن عثمان... الإربلي الصوفيّ قد نظم قصيدة لاميّة ضمّنها جملة من أنواع البديع، نوعا في كل بيت... » [١] ، فهو يعترف للإربليّ بوضع حجر الأساس في ابتكار هذا الفنّ، إلاّ أنه يضع الحلّيّ في مكان الريادة و التشييد و البناء لصرح هذا الفنّ في أوّل قصيدة يطلق عليها اسم «بديعيّة» . ثمّ إن كلام ابن معصوم الذي أشار إليه أحمد إبراهيم موسى يوحي بأنّ الإربليّ هو أوّل من نظم قصيدة و أدخل فيها أنواع البديع، و لم يكن أوّل بديعيّ، ثمّ ناقش موقف الصفيّ مع ابن جابر كأول من نظم تلك القصائد على هذا النظام المتّبع في «البديعيات» ، إذ يقول: «و أما نظم أنواع البديع على هذا الوزن و الرويّ الذي نظم عليه الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ فلا أتحقق أيضا أنّ الشيخ صفي الدين هو أوّل من نظم إليه، فإنه كان معاصرا للشيخ... ابن جابر الأندلسيّ الأعمى... و لا أعلم من السابق منهما إلى نظم بديعيته على هذا الأسلوب... » [٢] .
و قد استدل علي أبو زيد على زيادة الحلّيّ على الإربليّ بأنّ الإربليّ لم يكن أوّل من نظم أنواع البديع، بل سبقه إلى ذلك يحيى بن عبد المعطي الزواويّ المتوفّى سنة ٦٢٨ هـ. ، إلاّ أنّ تلك المحاولات لم تجد نفعا، و لم تصبح البديعيّة معها خلقا سويّا إلاّ على يد صفيّ الدين الحلّيّ [٣] .
و ريادة صفيّ الدين أو أسبقيته على ابن جابر لا تعني بالضرورة أن يكون ابن جابر قد اطلع على بديعية الحليّ و جاراها، بل ربما كان كلّ منهما قد نظم بديعيته دون أن يطلع على صنيع الآخر، و ذلك يعود لتشابه بعض الدوافع و العوامل و الظروف المهيّئة لظهور مثل هذا الفنّ، و ما يؤكد ذلك أنّ حسين بن سليمان الحلبي الطائي مثلا المتوفّى سنة ٧٧٠ هـ. ، نظم قصيدة في سبعمائة بيت ضمّت أنواع البديع، سمّاها «زهر الربيع في علم البديع» [٤] ، دون أن يذكر أحد شيئا من أسبقيّته على ابن جابر.
[١] «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ١٩٠.
[٢] أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم ١/٣١-٣٢.
[٣] البديعيات في الأدب العربي ص ٦٨.
[٤] كشف الظنون ٢/٩٦٠.