خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٥٢ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
قال: «فجمعت ما وجدت في كتب العلماء و أضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء، و عزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها، إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها، فعرضت لي علّة... و اتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبي عليه أفضل الصلاة و السلام يتقاضاني المدح، و يعدني البرء من السقام فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع... » [١] . فما عدوله عن تأليف كتاب في البديع إلاّ لوجود هدف أوّل هو المديح الذي جعله يعدل عن الهدف الثاني (التأليف البديعي) ، بل جعله يجمع بين الهدفين في وسيلة واحدة هي هذه القصيدة المنظومة، حتى صار التأليف البديعي ضمن قصيدة مدحيّة سنّة سنّها الصفيّ لمن أراد بعده أن ينظم فنون البديع في قصيدة شعريّة؛ و هذا ما يفسّر تسمية قصيدته بـ «البديعية... » و إطلاق هذه التسمية على ما يليها من «البديعيات» مع ما تضمّنته من المقوّمات و الشروط و الصفات التي جاء بها لتكون قواعد لنظم البديعيّة.
و هذا ما يدلّ أيضا على أن قصيدة الزواويّ لم تسمّ «بديعيّة» و إن كانت مؤلّفة في علم البديع، ذلك لأنها لم تكن في مدح الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و لم توافق بمواصفاتها مواصفات «البديعية» التي سنّها فيما بعد الصفيّ؛ و هذا نفسه يدلّ على أنّ قصيدة الإربليّ لم تكن بديعيّة لأنّها كانت في مدح بعض معاصريه، وفق مواصفات أخرى؛ و قيل: في موضوع غزليّ [٢] .
و هذا لا يعني أنّ كلّ قصيدة في مدح الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم) ، هي «بديعية» ، فقصيدة البوصيري و قصيدة كعب بن زهير قبله و غيرهما، لم يطلق عليهما اسم «بديعية» لعدم تعرضهما لأنواع البديع و فنونه.
و إذا كان الحلّيّ قد نهج نهج البوصيري في المديح، فإن شعراء البديعيات قد نهجوا نهج الصفيّ في المديح و التأليف البديعيّ المنظوم، حتى غدت بديعيّته محطّ أنظار جميع من أحبّ هذا الفنّ و نظموه، فراحوا يضعونها نصب أعينهم لمعارضتها و التأليف على نسقها؛ و بهذا تحوّلت البديعية من قصيدة مدحية تتضمن علوم البديع إلى فنّ يجمع بين المدح و علم البديع كشرط أساسيّ من شروطها، و هذا ما دفع
[١] شرح الكافية البديعية ص ٥٤.
[٢] انظر فوات الوفيات ٢/١١٨؛ و معجم المصطلحات البلاغية و تطورها ص ٢٢٤.
غ