خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٥٣ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
البعض إلى أن يعرّفها بقوله: «فالبديعيات قصائد اشتمل كلّ بيت منها على لون أو أكثر من ألوان البديع، تمثيلا فقط، أو مضموما إليه التزام التورية باسمه، فهي منظومات في «البديع» تشبه ألفية ابن مالك في «النحو» ، أو الشاطبية في «القراءات» [١] » ، دون أن يشير إلى أن المديح شرط من شروط تسميتها.
و مهما يكن من أمر البديعيات فإنّ بابها قد فتح على مصراعيه أمام الشعراء، و قد كانت القرون الثلاثة من نشأتها الثامن و التاسع و العاشر قرون ازدهار و تطوّر لفنّ البديعيات، و قد كان ابن حجّة الحمويّ في واسطة عقد هذه القرون، فقبل عصره بقرن أي في نهاية القرن السابع و بداية القرن الثامن ظهر فنّ البديعيات يحبو على يد علي بن عثمان الإربليّ، ثمّ نما و ترعرع على يد كلّ من صفيّ الدين الحليّ و ابن جابر الأندلسيّ و شهاب الدين أحمد العطار و عز الدين الموصليّ و وجيه الدين العلويّ و ابن حجاج المعروف بـ «عويس» ، ... و في القرن التاسع ظهرت بديعيات كل من ابن حجة الحمويّ و شعبان الآثاري و ابن المقرئ، و في القرن العاشر نظمت بديعيات كثيرة كانت تتفق في صفات رئيسة هي: أنها نظمت في مدح الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ، على بحر البسيط، و قافية الميم المكسورة، بالإضافة إلى تضمين كل بيت فيها نوعا من أنواع البديع، و قد يصرّح باسم هذا النوع أحيانا، و قد لا يصرّح في الأحيان الأخرى.
و لو تمّ تجاوز البديعيتين الأوليين: بديعية الحلّيّ و بديعية ابن جابر، و اتّجهنا مع تطوّر شكل البديعيات لوجدنا أنّ هناك شيئا جديدا قد طرأ عليها، و كان السابق إليه هذه المرّة هو عزّ الدين الموصليّ المتوفّى سنة ٧٨٩ هـ. ، و هو التزام الشاعر بذكر اسم النوع البديعيّ في بيت البديعيّة و يمنحها الاسم، ثم يثني عليها بالشرح أو يشرحها غيره و يسمّي هذا الشرح اسما جديدا، لما في الشرح من ضرورة تلازم البديعيات لجلاء ما غمض فيها من أفكار اضطرّ إليها الشاعر أثناء معاناته لنظم البديعية.
فصفيّ الدين الحليّ سمّى بديعيته «الكافية البديعية في المدائح النبوية» ، و شرحها هو و سمّى شرحه «النتائج الإلهيّة في شرح الكافية البديعية» ، و كذلك ابن جابر سمّى بديعيته «الحلّة السّيرا في مدح خير الورى» ، و شرحها أبو جعفر و سمّى شرحه «طراز الحلّة و شفاء الغلّة» ، و جاء عز الدين الموصليّ فنظم بديعية و شرحها و اقترن اسمها
[١] البديع في ضوء أساليب القرآن لعبد الفتاح لاشين ص ٢٠٢.