خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٤ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
نظمها بعد أن نظم صفيّ الدين بديعيّته، فتسقط الأوّلية بذلك عنه.
و بعد أن يعزو زكيّ مبارك ابتكار فنّ البديعيات لابن جابر، يعدّد أسماء الشعراء الذين نسجوا على منواله في صنع البديعيات، فيقول عند مروره على صفيّ الدين الحلّيّ: «و في عصر ابن جابر وضع صفيّ الدين الحليّ المتوفّى سنة ٧٥٠ هـ. قصيدة سمّاها «الكافية البديعية في المدائح النبوية» ، و أنشأ عز الدين الموصليّ المتوفّى سنة ٧٨٩ هـ. بديعيّته... » [١] .
و ربما كان مبارك هو الوحيد في تقديمه ابن جابر على الحلّيّ في زيادة هذا الفنّ.
أما محمود الربداويّ في كتابه «ابن حجّة الحمويّ شاعرا و ناقدا» [٢] فيميل إلى اعتبار صفيّ الدين الحلّيّ أسبق من جابر في نظم أوائل البديعيات، مستدلاّ على ذلك بأنّ الحلّيّ توفّي قبل ابن جابر بثلاثين سنة، و هذا السبب في رأيه-ليس بمرجّح كاف، بل قدّم إلينا الأدلّة بذكر الأسباب التي حدت بالحليّ إلى تأليف بديعيته لعلّها تلقي ضوءا يساعد على ترجيح أسبقية الحلّيّ على ابن جابر الأندلسيّ، أمّا قضيّة الابتكار برأيه، فيرجّح أنها سابقة على كلّ من الشاعرين، كما سيأتي.
يقول محمود الربداويّ: «فالحليّ يذكر في مقدّمة شرحه لبديعيته بأنه اعتزم على تأليف كتاب في البلاغة، ... لو لا أنّ علّة لازمته فعدل عن تأليف كتاب في البلاغة إلى تأليف منظومة يجعلها بمثابة كتاب لقواعد فنّ البديع... » [٣] ، ثم يأتي بنصّ صفيّ الدين الحليّ [٤] ، و يعقّب عليه بقوله: «و قبل أن تتسرّع فتحكم على بعض النتائج من خلال هذه المقدّمة البسيطة لا بدّ لنا من استعراض بعض ما كتبه أيضا في مقدّمته تلك، لتعلم من أين استقى مادّة بديعيّته... » [٥] ثم يسرد قول الحلّيّ في مراجعته للكتب البلاغية السابقة له، و يخلص من ذلك كلّه إلى وضع الصفات العامة التي تتّصف بها البديعيات و هي: أنها نظمت في مدح الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ، و اختار لها الشاعر البحر البسيط و قافية الميم المكسورة مضمّنا كلّ بيت منها نوعا من أنواع البديع، و قد
[١] المدائح النبوية في الأدب العربي ص ١٦٩.
[٢] ص ١٨٨.
[٣] ص ١٨٨.
[٤] سبق نصّه في بدايات هذا الفصل أثناء الكلام على «أسباب نشأة البديعيات» .
[٥] «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ١٨٩.