خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٨٨ - ٤-استنباط أنواع بديعيّة جديدة
«البديعيّات» التي حملت في ثناياها أنواعا بديعية جديدة، قد أخلّت بأنواع بديعيّة معروفة، و هذا دليل واضح على شدّة بحث هؤلاء عن الجديد دون غيره أحيانا. و إذا ما نظرنا إلى هذا الجديد الذي أتت به البديعيات نرى صورة أوّلية لحياة البديع و أنواعه خلال سبعة قرون من عمر التراث البلاغيّ و الأدبيّ، كما نلمح صورة للمفهوم الذوقيّ و الجماليّ و البلاغيّ في ذلك العصر، بالإضافة إلى رسم صورة واضحة لمفهوم التقليد و المحافظة على القديم مع النزعة إلى التجديد عند جمهور الناس.
هذه هي «البديعيات» بأثرها و قيمتها، و إن كان البعض يرى أنّها قد خلت من أيّة قيمة أدبية رغم استبدادها بالشعر العربي منذ أواسط القرن السابع الهجري إلى القرن الرابع عشر، فهي عند هؤلاء منذ أن ولدت، إلى أن قضت، صناعة من العبث، أضعفت من الشعر و لغته، و هدّت من قوّته، و أزرت من مكانته، و أوردته موارد التكلّف و التعمّل الثقيل، و هوت به إلى هاوية الإسفاف، و جرّدته من روائعه و روعته.
كما يرى البعض أنّها ذهبت بالبديع مذاهب التشعيب فعاد عليه بالضعة و الهوان، إذ اعتبرت، و إن جهد العلماء في شرحها، بابا لوصول البديع إلى ما وصل إليه من فقدان جماله، بما نسب له ممّا لا يصحّ أن يكون منه، فأكثروا منه إلى حدّ الإملال، و قد غرست في كثير من الأذهان أن أنواع البديع لا يقف عند حدّ، و من هنا كتب عليها الإخفاق في ناحيتيها الأدبيّة و العلميّة، فلم تصل إلى غايتها و لم تؤدّ رسالتها [١] .
و في الحقيقة أنّ البديعيات لم تكن شعر العصر كلّه، و لم يقتصر الشعراء عليها، و لم يسلك سبيلها إلاّ من ملك ناحية التأليف و زمام القوافي، و هم قليل، فإذا عدّت البديعيات، نجدها لا تبلغ المائة على مدى سبعة قرون كانت غزيرة الإنتاج من الناحية الشعرية، و هل يمكن أن نحكم على شعر سبعة قرون من خلال بضعة و تسعين قصيدة لحوالي ثمانين شاعرا، رغم أن نصوص أكثرها مفقود [٢] ؟!
ثمّ إن البديعيّات-كما في رأي علي أبو زيد-جاءت بفنّ جديد في الشعر
[١] انظر البديعيات في الأدب العربي ص ٥٠.
[٢] البديعيات في الأدب العربي ص ٥١.