خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٦٢ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
من ضروب و فنون، فهو في أثناء الشرح ينقلك من البلاغة إلى الأدب، و من النقد إلى الطرفة، و من الخبر إلى الفنّ، و هذا ما جعل «خزانته» حديقة غنيّة بكلّ الثمار الشهيّة من الأشجار الحمويّة.
إذا، فقيمة هذا الكتاب تكمن في موضوعه و مضمونه، لما اشتمل عليه من الأنواع البديعية في «تقديم أبي بكر» و شرحها، و ما حواه من شواهد كثيرة من القرآن الكريم، و الحديث الشريف و الشعر القديم و المعاصر له، و شواهد النثر، بالإضافة إلى البديعيات الثلاث الأخرى التي قام ابن حجّة بمعارضتها و شرحها، و ما أودعه في خزانته من ثقافته الواسعة، و ما حفظته تلك الخزانة من آراء بعض النقّاد و البلاغيّين الذين ضاعت كتبهم مع الزمن، و ما نقلته من آثار بعض الأدباء الذين فقدت كتاباتهم مع ما فقد من التراث العربيّ آنذاك، فكانت بذلك مصدرا مهمّا لهؤلاء و هؤلاء.
و في «شرح بديعيته» من الفوائد اللغوية و الأدبية و النقدية و البلاغية و التاريخية و غيرها، فنون أكثرها من المستملح المستطاب. و هذا ما دفع محمود رزق سليم إلى القول فيه: «و ما عليك إلاّ أن تجمع تعريفاته البلاغية و معها المثل أو المثلان، ثمّ تنحّيهما جانبا عن بقيّة «الخزانة» لتبدو لك بقيّتها مسرحا وضيئا متألّقا مليئا بجولات الأديب الذي فاضت صوره بالأدب اللباب، و سنح خاطره بالنقدات العذاب، و فيها ما فيها من حسن اختيار و سهولة عرض و دقّة تتابع و جمع للمتفرّق المتقارب» [١] .
و لعلّ «شرح بديعيته» من أوائل الكتب التي فتحت مجالا أمام شرّاح البديعيات بأن يضمّنوا شروحهم بديعيات أخرى، كادت أن تكون مفقودة لو لا ذكرها في تلك الشروح، بل إنّ شرح بديعيته كان أهمّ من البديعية نفسها، إذ جعله شرحا مطوّلا حوّله فعلا إلى «خزانة أدب» أودعها كثيرا من معرفته و علمه و نوادره و طرائفه و المساجلات الأدبية و النقدية التي دارت في عصره، و التي كان لها أثر كبير في تحريك عجلة النقد الأدبيّ الفنّي، فغدت بذلك موسوعة تجمع بين اللغة و الأدب
[١] عصر سلاطين المماليك ٦/١٦٥.