خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٨٠ - ٣-ملامح نقديّة عامّة
بديعيته و ما سبقها من البديعيّات كبديعية الصفيّ، و بديعية ابن جابر، و بديعية الموصليّ، و بديعية ابن حجّة و غيرهم، ليؤكّد للناظر أن لا فضل للسابق على اللاحق إلاّ بما يستحقّ. و ترى ظاهرة التتبّع عنده منذ بداية الشرح حتى نهايته [١] .
و هؤلاء الثلاثة «ابن حجّة، و النابلسيّ، و ابن معصوم» كانوا أكثر تعصّبا لما عندهم، و أشدّ هجوما على غيرهم، و بحثا عن عثرات من سبقهم و اقتناصا لكبواتهم، و التشهير بهناتهم إلى درجة التفريط.
و يلي هذه الطبقة من المتتبّعين المتعصبين طبقة أخرى أكثر موضوعية و مرونة و أقلّ تحاملا من الطبقة الأولى، من ممثّليها: قاسم البكرجيّ، و أبو الوفاء العرضيّ [٢] ، إذ تتبّع الأوّل منهما في شرحه عبد الغنيّ النابلسيّ في تعقّبه لابن حجّة في بديعيّته و شرحها، كما تتبّع غيره أيضا من أصحاب البديعيات، في حين اكتفى الثاني بالنقد الرزين و محاولات الاعتذار عن زلاّت الآخرين، و التغاضي عنها، مشيرا بهدوء إلى موطن الضعف عند من يتجرّأ على تخطئ الناس و نسيان نفسه.
إذا، إنّ الملامح النقدية المستقاة من البناء العام لتلك الشروح و غيرها، و من ظاهرة التتبّع في عمل الشرّاح تشكّل صورة عن الحركة النقديّة التي تتراءى لنا من خلالها، لعلّها من أهمّ صور النقد الأدبيّ في مرحلة ممتدّة على مدى سبعة قرون من مراحل التراث العربيّ.
٣-ملامح نقديّة عامّة:
لم تقتصر الحركة النقديّة على الملامح المستقاة من خلال بناء الشروح العام، و تتبّع الشرّاح فيها لبعضهم، بل كانت تمرّ لمحات نقدية عامّة تلوّن شروح «البديعيات» بها و توضّح شيئا من معالم النقد العامّة و أسسه و طرقه في ذلك العصر.
فهناك تتبّع للسرقات الشعرية، خارج نطاق «البديعيات» ، إذ كثيرا ما كان الشرّاح يشيرون إليها و يفضحون أمر مرتكبها، مبرهنين بذلك على سعة اطّلاعهم و تنوّع معرفتهم، و قدرتهم على النقد و التتبّع و التمحيص. و هذا ما نجده مثلا عند ابن حجة الحموي في خزانته و لا سيما أثناء كلامه على سرقات جمال الدين بن نباتة المصري
[١] انظر أنوار البديع في أنواع البديع ١/٢٩، ٩١، ٩٣-٩٥.
[٢] انظر في تفصيل ذلك البديعيات في الأدب العربي ص ٢٤١-٢٤٤.