خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٧٨ - ٢-الحركة النقديّة في شروح البديعيّات
التأليفيّ في التراث العربي الإسلاميّ عامة، و لا سيّما في عصر نشوء «البديعيّات» و ازدهارها. فكثيرا ما نصادف، في أيّ كتاب من التراث العربي الإسلامي و خاصة في شروح البديعيات، موقفا للكاتب أو الشارح، يتعرّض من خلاله لمؤلف عاصره، أو سبقه، فيتعقّبه في قضيّة ما، و يتتبّع أخطاءه فيها، فيردّ رأيه، أو يخطّئه فيه، أو يحدّ منه، أو يوافقه و يزيد عليه؛ و كثيرا ما نجد ذلك عند من كان على شيء من الزهو و الاعتداد بالنفس و الحدّة في الموقف، أمثال ابن حجّة الحمويّ، و ابن معصوم المدنيّ، و الشيخ عبد الغني النابلسيّ.
فابن حجّة الحموي قد صرّح منذ البداية في خطبة شرحه لبديعيته أنه إنّما نظم بديعيّته و أمامه بديعية الصفيّ و بديعية الموصليّ و بديعية ابن جابر، و هو ينظر إليها نظرة الناقد المتفحّص، الباحث عن خبايا جمالها و مواطن ضعفها، ليستطيع بذلك أن يتدارك نقصا سبق، و أن يبزّ غيره بجمال و فضل إجادة، فينطلق يسابق هؤلاء مخلّفا وراءه كلّ من سبقوه إلى هذا الفنّ، و قد أعانه على ذلك صديقه الأديب المعروف محمد بن البارزيّ الذي حثّه على نظم بديعيّته. و من هنا جاء تتّبعه لهؤلاء الشعراء في بديعيّاتهم و مقارنة عمله بأعمالهم مستعينا بمشورة صديقه إذ قال: «فاستخار اللّه مولانا الناصري... و رسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام، و أجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال، الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه... و يقول: بيت الصفيّ أصفى موردا، و أنور اقتباسا، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر، و أراجعه ببيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق و ينقلني إلى غيره، و قد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال، و جاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع، و هو من ذلك محلول العقال» [١] .
و ما يلاحظ من هذا القول أنّ هناك عملين اثنين كانا يرافقان نظم كلّ بيت من أبيات البديعية، أوّلهما: تتبّع ابن حجّة لمن سبقه و إعمال نفسه في التفوّق عليه؛ و ثانيهما: الموقف النقديّ المتمثّل في عمل ابن حجّة أوّلا، و في حكم المعروض عليه (ابن البارزي) ثانيا، إذ كان يشير عليه بالقبول أو بالإعادة بعد مقارنته بأبيات
[١] خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٠٥.
غ