خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٧٦ - ٢-الحركة النقديّة في شروح البديعيّات
البحث و الكشف و التوضيح و التعريف أحيانا أخرى [١] . و لعلّ عثمان الجليليّ أراد أن تكون طريقته النقدية هذه دفاعا عن بديعيّة ابن حجّة الحمويّ، و تقديما له حتى على المتأخرين، معتمدا في نقد بديعيته على سواها من البديعيات ليعود بنقده إليها.
و هناك كتاب آخر يبدو أنه قد ألّف ردّا على كتاب الجليليّ، و هو «إقامة الحجة على التقيّ ابن حجّة» لأبي بكر بن عبد الرحمن العلويّ، و قد تجاوز به صاحبه العمل النقديّ المتمثّل في قبول العمل أو ردّه دون تحليل، و بذلك تجاوز مرحلة النقد الذوقيّ.
و لقد عمد أبو بكر بن عبد الرحمن العلويّ إلى بديعية ابن حجة الحموي و بدأ بتحليلها و نقدها معتمدا على نهج علميّ وضعه لنفسه لإظهار ما في هذه البديعية من خلل و ضعف و سرقة، و في الوقت نفسه كان يعترف لابن حجّة بكلّ حسن أتى به من خلالها، و لم يبخسه حقّه، و طالما أكبر بديعيّته و عدّها من مناقبه، و ممّا لم يستطع أحد مجاراته بها. و قد اتّبع طريقة واضحة في نقده لبديعية ابن حجة، فيذكر بيت البديعية أوّلا، و يبدأ بتحليله و نقده، من حيث السرقة أو الركاكة و الغوص في مضمون البيت.
و لو رجعنا إلى محاكمته بيت ابن حجّة في «الجناس الملفّق» و رضاه عن بيته في «الاكتفاء» [٢] لوجدناه يسلك طريقا نقديّة هي أشبه بطرق النقد الموضوعيّ الحديثة، و ما يدلّ على موضوعيّته هذه في نقده أنّه كثيرا ما كان يقف أمام بيت من أبيات البديعية عاجزا عن فهمه فيتركه و يكل أمره إلى غيره دونما حكم صريح، فيقول مثلا في شرح شطر من بيت «الجمع» : «حاولت أن أفهم معنى عجز هذا البيت فلم أوفّق له» [٣] .
و بهذا يكون كتاب أبي بكر العلويّ استجابة للحركة النقدية التي دارت حول البديعيات في عصره، و قد أنار بدوره طريقها بومضات نقديّة فاحصة من خلال بديعيّة هي من أهمّ بديعيات هذا الفنّ، و قد يستطرد أحيانا إلى بديعيات أخرى سبقت ابن حجّة أو جاءت بعده عند ما تدعو الحاجة لذلك.
٢-الحركة النقديّة في شروح البديعيّات:
لم يقتصر أثر البديعيات في الحركة النقدية على ما دار حولها من آراء و مواقف و قضايا، بل كان لها دور آخر من خلال شروحها التي نستشفّ في ثناياها ملامح
[١] و انظر المصدر السابق ص ٢٤-٢٧، ٦٧.
[٢] انظر إقامة الحجة ص ٦، ٢٥.
[٣] إقامة الحجة ص ٤٨.