خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٧٤ - ١-الحركة النقدية حول البديعيات
ينظمها في مدح شيخه خير سبيل للتقرّب إليه و إظهار الإخلاص له و الزلفى بين يديه، فنظمها، مغايرا في مضمونها، جاعلا هذا المضمون خالصا في مدح شيخه [١] .
إذا، لم تبق «البديعيات» مجرّد فنّ شعريّ معهود، بل خرجت إلى دائرة النقد، و ما ذاك القبول و الإقبال عليها من قبل الخاصّة و العامّة إلاّ موقف له دلالته النقديّة الواضحة.
٢-موقف العامة:
يتّضح من خلال موقف الخاصة من البديعيات، أنّه لو لا حبّ العامة لهذا الفنّ و تعلّقهم به لما تقرّب أولو الأمر به إليهم، و لو لا ذلك أيضا لما أقدم كبار الشعراء، آنذاك، على نظمها، و لما جعلوها غاية و ذروة لا يستطيع بلوغها إلاّ المقتدر، و لما استطاع هذا الفنّ الطريف أن يعيش سحابة سبعة قرون من عمر تراث هذه الأمّة، و أن ينتشر في معظم أصقاعها.
و ربّما كان للاتجاه الدينيّ الذي رافق هذا الفنّ من أثر بالغ في قبول الناس للبديعيّات، إذ صادف هذا الفنّ هذه النزعة الدينية المسيطرة على نفوس الناس في عصر هم بحاجة ماسّة فيه إلى بعث جديد للأمّة بعد أن سيطر عليها من لا يستحقّ قيادتها، فعاث فيها فسادا، و قد وجد الناس في البديعيات، كونها مدائح نبويّة، ملاذا يرجون به الخلاص، إلى جانب ما وجدوا فيها من غرض تعليميّ جديد، فلاقت منهم آذانا مصغية و قلوبا واعية.
يتّضح ممّا سبق أن فنّ «البديعيات» لم يكن مقتصرا على خاصّة الناس و الشعراء، بل كان فنّ الناس جميعا على اختلاف طبقاتهم، ففهمه خاصّتهم، و ترنّم به عامّتهم، و هذا يدلّ دلالة واضحة على الحركة النقدية التي كانت تدور حول هذا الفنّ.
٣-كتب و مؤلّفات في نقد البديعيّات:
لم تقتصر الحركة النقدية على الموقف التذوّقيّ المتمثّل في قبول هذا الفنّ و الإقبال عليه، بل تعدّته إلى مرحلة التأليف في نقد هذا الفنّ، فظهرت كتب و مؤلّفات هي، على قلّتها، ظاهرة و أثر من الآثار النقديّة لهذا الفنّ. من هذه الكتب:
«الحجّة في سرقات ابن حجّة» للنواجيّ؛ و «الحجّة على من زاد على ابن حجّة في علم البديع» لعثمان بك الجليليّ؛ و «إقامة الحجة على التقيّ ابن حجّة» لأبي بكر بن
[١] هدية العارفين ٢/٣٩٩؛ و البديعيات في الأدب العربي ص ٢٢٢.