خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٩٣ - ٢-ما قاله العلماء و النقّاد في «البديعية» و «شرحها» (تقاريظ و مآخذ)
القاضي الفاضل بموجبه، و غوصا على المعاني لا يخرج الدرر إلاّ كبارا، و نظما تفديه العقود بحبّاتها إجلالا له و إكبارا، و نثرا جاءت رسالاته معجزة باهرة، و آمنت الأدباء/ ببلاغته الخارقة العادة، فلا كرامة للفئة الكافرة؛ و سلاسة طبع أشهى من العذب الزلال، و سحر بيان عقد ألسنة المذعنين، و هذا هو السحر الحلال، حرس اللّه به ربع البلاغة في مصر و حماة، و أقام به عمود الشعر في الفسطاط، فمدّ أسبابه و منع حماه، فأطلع كواكب ألفاظه السيّارة بفلك البراعة جواري قد نجمت، و استخدمها بين بنات فكره، فأذعنت للاستخدام و قدمت، و جلتها على الأفهام عرائس، و حلّتها من جواهر البديع بنفائس، فأنّى يقاوم ابن الرومي بعجمته هذه العربية الأنساب، أو يطمع مهيار و هو من الموالي في كفاءة هذه الفصاحة، و هي الشريفة الأحساب، فلو رآه ديك الجنّ الحمصيّ لخفض جناحه، و انتبه من سنة الغفلة مذعورا يكرّر صياحه، و يحقّق أن العرف شاهد بفضيحة مثله، و علم أنّ هذا الإمام هو صاحب الوقت فأذن بفضله، و لو أدركه الورّاق لطوى من صحائف حسناته ما انتشر، و أخذ البيعة على القلوب لطاعة أبي بكر و لا ينكر ذلك من عمر، و يستضاء من أفلاك نظمه و نثره بالقمرين، و اهتدى في طرق البلاغة إلى حسن السيرة خلفه، فناهيك بسيرة العمرين، و لو رأى زهير رياض هذه الآداب لصوّب تصغير نفسه، أو ابن المشدّ لقام في خدمة ديوانها بعصا القلم، و فخر بذلك على أبناء جنسه، و لو رآه ابن نباتة لتوارى و ظهر عجزه، و لم ينتفع بتواريه، و كسد شعره في سوق الرقيق فلا من يسومه و لا من يشتريه، على أنه لو لم يكن لهذا الإمام، أبقاه اللّه، إلاّ هذه البديعية لكفاه فضلا، و لأوجب ذلك له في ذمّة الشكر ديونا لا تستطيع غرماء/الأفكار أن توفّها*[توفّيها]أصلا، فريدة لا يزال حاسدها في نقص، و حسنها في ازدياد، و مستعرض سطورها يجد في نفسه عظمة الملك إذا عرضت عليه بالعشيّ معانيها الجياد، حسناء أشرقت أنوارها فكاد ينظر محاسنها الأعمى، و رامت الأفكار أن تساميها، و أنّى ذلك و بنت أبي بكر «أسماه» سابقة لا تجاريها بميدان براعتها الفحول، غزالها من إشراق معانيها و ميمات قوافيها غرر واضحة و حجول، ذات مقاطع لم ينسج على منوالها، و لا حاك في الصدر أن يسمح الدهر بمثالها، فمن أين للحريري أن يأتي بمثل بزّها الرفيع، و هيهات هيهات أن يصل إلى مثل وشيها البديع؛ كأنّما سطورها درجات يتسنّم فيها السان الناظر إلى بديع الطباق، أو طرق تسافر فيها اللحظات إلى حدائق الأدب لا