خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٩١ - ٢-ما قاله العلماء و النقّاد في «البديعية» و «شرحها» (تقاريظ و مآخذ)
ابن حجر العسقلاني الشافعيّ [١] ، أسبغ اللّه عليه ظلاله و ختم بالصالحات أعمالنا و أعماله، آمين آمين آمين.
اللّهمّ غفرا[نك]، ... كيف لا أسأل المغفرة و قد ألزمت بكشف عواري، و ألجئت من تقريظ هذه الدرّة اليتيمة إلى رفع الحجب عن بنات أفكاري، و أنا لا أزال أغطي بلهي على أعراض المعاني الفائقة عني، و أواري، و جهدي أن أحسن النظر فيما وقف عليه من اللطائف بالزواهر و الزواري، و كيف يضيء مصباح فكر قليل المادة في مقابلة هذه النجوم الدراري؟و كيف أقنع من موضع الإسهاب لها بالألفاظ الموجزة، و رويّتي عاجزة، و ليت لي بديهة معجزة، لكن جرى القلم فكتبت، و توفّرت سهام الحقوق فطرحت رداء العصبيّة، و رمت الغرض فأصبت، و طالعت هذا الشرح فتلا لسان الحال: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) [٢] ، و رفعت يد الابتهال للاقتدار على مدحه مع قبول الاعتذار؛ فقيل لي: قد وَ وَضَعْنََا عَنْكَ وِزْرَكَ [٣] ؛ فأقول: أشهد أن أبا بكر مقدّم على أنظاره، و لا أعدل في هذه الشهادة من أحمد، و أجزم برفعة قدره على كل من انتصب لهذا الفنّ، و لا أبلغ من حاكم يشهد، لقد بلغ أشدّه في البلاغة و استوى، و ثبت رشده عند غواة الأدب، لكن ما ضلّ صاحبهم/و ما غوى، و لا نطق في المديح النبوي إلاّ بالحقّ، و حاشا لهذا الصاحب أن ينطق عن الهوى، و لقد ظفرت حبائل فكره بكل سانحة من ظباء البديع و بارحة، و خطبته من يتيمة الدهر و دمية القصر كل قرينة صالحة، و أتى طرسه بكل نادرة مؤنّقة معجبة، و أخذ الذي هو أبهج من النضار بمجامع القلب لشدّة ما بينهما من الشبه، و لقد تفنّن في أفنان البديع، و لا سيّما في التورية و الاستخدام، و سما لسماء الكواكب الدراري، و استخدم اللفظ الرقيق فيما أطاعه من المعاني، حتى صحّ وصفها بالجواري، و توارى منه المجاري، و حقّ له الهرب عند سماع الاستخدامات المخترعة و التواري، نعم هو الذي نظر الأعمى إلى أدبه، و استفاض تقدّمه فحكم القاضي الفاضل بموجبه، و زاد كمالا في السلم فنقص عنده أبو تمام، و خرق العادة في النثر فلا كرامة معه لصاحب المقامات و لا إكرام؛ و أمّا علماء المعاني فحقّ قدامة أن يدرس كتاب تأخير المعرفة، و يقول لعصريّه نفطويه: لا شكّ أن ابن حجّة أفضل من ابن عرفة [٤] ؛ و لقد ظهرت من حلاوة
[١] ولد سنة ٧٧٣ هـ. ، و توفي سنة ٨٥٢ هـ.
[٢] الشرح: ١.
[٣] إشارة إلى الآية ٢ من الشرح.
[٤] يقصد بـ «ابن عرفة» محمد بن عرفة، إمام-