خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٥٨ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
و نثره، و قد استعرض في مطلع حديثه الشواهد الجيدة على «براعة الاستهلال» ، إلاّ أنّه لم يقف عند ذلك، بل أتى على ذكر براعات استهلال للّذين كبت بهم خيول الفكر و تعثّروا فجاءوا بالسيّئ من المطالع فكانوا موضع استهجان أهل الذوق و الأدب، و ذكر قصص هؤلاء المقصّرين في «براعة الاستهلال» ، و ما جرّته عليهم سقطاتهم من متاعب و إعنات، و هدف من وراء ذلك إلى تحذير الكتّاب و المنشئين من الوقوع في مثل هذه السقطات التي ألحقت بأصحابها من كبار الأدباء ما لا تحمد عقباه، و من أمثال ذلك ما قاله المتنبّي في مطلع قصيدة (من الطويل) :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # و حسب المنايا أن يكن أمانيا [١]
و ما قاله البحتريّ في مطلع قصيدة له (من الكامل) :
يا دار غيّرك البلى و محاك # يا ليت شعري ما الذي أبلاك [٢]
و بعد هذا، فكتاب «خزانة الأدب و غاية الأرب» يعتبر كتاب بلاغة لتضمّنه البديعية و شرحها، و ما اقتضاه هذا الشرح من تعريفات و حدود، رجع ابن حجة فيها ليس إلى سبعين كتابا كما فعل الصفيّ، بل إلى ما يزيد على مائة كتاب كان يذكرها في أثناء حديثه، فيسمّيها و يسمّي مؤلّفها حينا، و يكتفي باسمها أو باسم مؤلّفها حينا آخر، فكان ينقل منها بعض التعريفات و الحدود البلاغيّة، أو بعض المناقشات التي كانت تدور بين البلاغيّين حول نقطة معقّدة، و كثيرا ما كان يذكر تاريخ ميلاد النوع البديعيّ، و على يد من ولد، ففي حديثه عن الترتيب مثلا، قال: «هذا النوع... من استخراجات التيفاشيّ، ذكره في كتابه و سمّاه بهذا الاسم» [٣] . و في حديثه عن الاشتقاق، قال: «هذا النوع، أعني الاشتقاق، استخرجه الإمام أبو هلال العسكريّ، و ذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف بـ «الصناعتين» ... و هذا النوع ما ذكره القاضي جلال الدين القزوينيّ في «التلخيص» و لا في «الإيضاح» ، و لا ذكره الشهاب محمود في «حسن التوسّل» ، و لا نظمته العميان و لا غيرهم من أصحاب البديعيات، غير الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ... ، و... الشيخ عزّ الدين في
[١] خرّج هذا البيت في باب «براعة الاستهلال» .
[٢] خرّج هذا البيت في باب «براعة الاستهلال» .
[٣] خزانة الأدب و غاية الأرب ٤/٦٠.