خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٥٩ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
المعارضة... » [١] . فمن خلال هذا المقطع يتّضح لنا أنّ ابن حجّة الحمويّ كان إذا أراد نظم النوع البديعيّ و شرحه رجع في شرحه إلى الكثير من كتب البلاغة، و قارن بين تعريفات البلاغيين له، و رجع إلى ما ذكره أصحاب البديعيات، ثم يستخلص لنفسه رأيا في تعريف هذا النوع، مشيرا إلى مخترعه أو السابق إلى اكتشافه أو معرفته، و هو في كلّ ذلك يتمتّع بشخصيّة الناقد البلاغيّ، إذ يذكر الأنواع و يعرّفها و يعرّج عليها بالنقد، فيقبل منها ما أعجبه، و يعرض عن غيره، معلّلا الأسباب، فكثيرا ما كان يأخذ من هذا الكتاب لسبب، و يترك رأي مؤلف ذلك الكتاب لسبب، و يصوّب رأي فلان، و يسفّه رأي آخر، و يستحسن رأي زيد، و يمجّ رأي عمرو... و هذا كلّه لا يتأتّى للمرء إلاّ بعد سعة اطلاع و تعمّق في كتب البلاغة و نقدها.
و لتتضح صورة النقد البديعيّ أكثر في كتابه يستحسن إيراد ما قاله عن «الاشتقاق» و مناقشته له، فتتضح بذلك معالم سعة اطلاعه و قيمة منهجه النقديّ، إذ يقول: «هذا النوع، أي الاشتقاق، استخرجه الإمام أبو هلال العسكري، و ذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف بـ «الصناعتين» ، و عرّفه بأن قال: «هو أن يشتقّ المتكلّم من الاسم العلم معنى، في غرض يقصده، من مدح أو هجاء أو غيره، كقول ابن دريد في نفطويه (من السريع) :
لو أوحي النحو إلى نفطويه # ما كان هذا العلم يعزى إليه
أحرقه اللّه بنصف اسمه # و صيّر الباقي صياحا عليه [٢]
و هذا النوع، ما ذكره القاضي جلال الدين القزوينيّ في «التلخيص» و لا في «الإيضاح» ، و لا ذكره الشهاب محمود في «حسن التوسّل» ، و لا نظمته العميان و لا غيرهم من أصحاب البديعيات، غير الشيخ صفي الدين الحليّ، و بيت بديعيته، التي ذكر أنه جمعها من سبعين كتابا، قوله:
لم يلق مرحب منه مرحبا و رأى # ضدّ اسمه عند هدّ الحصن و الأطم [٣]
الشيخ صفيّ الدين اشتقّ من اسم «مرحب» «الترحاب» ، حتى يقابله بضدّه، و هذا هو الغرض الذي أراده الناظم.
[١] خزانة الأدب و غاية الأرب، باب «الاشتقاق» .
[٢] البيتان مخرّجان في باب «الاشتقاق» .
[٣] البيت مخرّج في باب «الاشتقاق» .