خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٩ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
الكتب المسطّرة. و ما يشهد بذلك مؤلّفات صفيّ الدين الحليّ و ابن حجة الحمويّ و عبد الغني النابلسيّ و غيرهم، و حسبهم ما ألّفوه من شروح حول بديعيّاتهم ليشهد لهم بقدرتهم على التأليف و لا سيّما في هذا الفنّ الطريف؛ فكثيرا ما كان يعكف ناظم البديعية على بديعيته شرحا و دراسة لما تضمّنته من فنون البديع، و يقدّم بين يديها الأمثلة و الشواهد الكثيرة، حتّى غدت شروحهم تلك معارض للأدب و خزائن للبلاغة العربية، و هذا يشهد بغزارة معارفهم و ما يدخرون من علوم و فنون.
د-المرض و رقّة العواطف عند ناظم البديعية المريض و اجتماع ذلك مع الأسباب السابقة:
لقد اقتصر هذا السبب على صفيّ الدين الحليّ صاحب أوّل بديعيّة، و قد سبق الكلام على مرضه الذي طالت مدّته و امتدّت شدّته. و ممّا لا ريب فيه أن المريض ذو روح شفافة رقيقة، يبحث عن دواعي شفائه أينما كانت، علّة يجد بصيص أمل بشفائه، فيتعلّق بحبال الهواء، تعلّق الغريق بعود قشّ وجده على سطح الماء، و لا سيّما إذا كان المرض عضالا، و المريض مؤمنا لا يقنط من رحمة ربّه، و هو يعلم حادثة جرت لمريض قبله، لجأ إلى اللّه متوسّلا بنبيّه، فوجد خيرا؛ فالدوافع التي تعتلج في نفسه لا تقلّ عن تلك التي اختلجت في نفس البوصيريّ، و ما كان لها من انعكاسات نفسيّة تجعله أقرب لأن يمتثل للشفاء، كما تجعل النفس أرقّ و أخشع على أعتاب خالقها. فهذا النفح الإيمانيّ و تلك الروح الشفافة الرقيقة، و حسّ الشاعر المرهف، بالإضافة إلى الشاعرية القويّة، و الرغبة في المدح و التأليف، و المدّخر العلميّ الكبير تفاعلت فيما بينها مجتمعة في نفس الشاعر و ساعدت على إبراز أوّل بديعيّة إلى حيّز الوجود.
هـ-السعي إلى الشهرة، و الرغبة في المعارضة، و حبّ الظهور و التكثّر:
ما إن ضربت بردة البوصيري في الآفاق حتى اجتمع حولها الشعراء و راحوا يقلّدونها و يعارضونها و يشطّرونها و يربّعونها و يخمّسونها ساعين من وراء ذلك إلى مجاراتها شهرة و قيمة و دورانا على الألسنة. و كان من هؤلاء الشعراء الشاعر المؤلّف الأديب صفيّ الدين الحلّيّ، إذ نظم قصيدة على غرار بردة البوصيريّ، مقتفيا خطاها في بحرها و رويّها و موضوعها، لم لا و العلّة واحدة، و قد أضاف إلى ذلك تضمين كل بيت من أبياتها نوعا من أنواع البديع، يكون البيت شاهدا له، فدخل بذلك إلى