الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢٦ - حديث كعب عن التخلف
فلما قيل إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد أظلّ قادما زاح عنى الباطل، و عرفت أنى لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه، و صبّح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، و كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلّفون، فجعلوا يحلفون له و يعتذرون، و كانوا بضعة و ثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علانيتهم و أيمانهم، و يستغفر لهم، و يكل سرائرهم إلى اللّه تعالى، حتى جئت فسلّمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لى: تعاله، فجئت أمشى، حتى جلست بين يديه، فقال لى: ما خلّفك؟ أ لم تكن ابتعت ظهرك؟ قال: قلت:
إنى يا رسول اللّه، و اللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أبى سأخرج من سخطه بعذر، و لقد أعطيت جدلا، لكن و اللّه لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديثا كذبا لترضينّ عنى، و ليوشكنّ اللّه أن يسخطك علىّ، و لئن حدثتك حديثا صدقا تجد علىّ فيه، إنى لأرجو عقباى من اللّه فيه، و لا و اللّه ما كان لى عذر، و اللّه ما كنت قطّ أقوى و لا أيسر منى حين تخلّفت عنك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أمّا هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضى اللّه فيك. فقمت، و ثار معى رجال من بنى سلمة، فاتّبعونى فقالوا لى: و اللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بما اعتذر به إليه المخلّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لك، فو اللّه ما زالوا بى حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأكذّب نفسى، ثم قلت لهم: هل لقى هذا أحد غيرى؟ قالوا: نعم، رجلان
..........