الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢٥ - حديث كعب عن التخلف
قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيّب إلا ظنّ أنه سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه وحى من اللّه، و غزا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تلك الغزوة حين طابت الثمار و أحبّت الظّلال، فالناس إليها صعر؛ فتجهّز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و تجهّز المسلمون معه، و جعلت أغدو لأتجهّز معهم، فأرجع و لم أقض حاجة، فأقول فى نفسى، أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى شمّر الناس بالجدّ، فأصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غاديا، و المسلمون معه، و لم أقض من جهازى شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت و لم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت و لم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا، و تفرّط الغزو، فهممت أن أرتحل، فأدركهم، و ليتنى فعلت، فلم أفعل، و جعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فطفت فيهم، يحزننى أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق، أو رجلا ممن عذر اللّه من الضعفاء، و لم يذكرنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى بلغ تبوك، فقال و هو جالس فى القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟
فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول اللّه، حبسه برداه، و النّظر فى عطفيه؛ فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! و اللّه يا رسول اللّه ما علمنا منه إلا خيرا؛ فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ..
فلما بلغنى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد توجّه قافلا من تبوك، حضرنى بثى، فجعلت أتذكّر الكذب و أقول: بما ذا أخرج من سخطة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غدا و أستعين على ذلك كلّ ذى رأى من أهلى؛
..........