البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٨ - ثم دخلت سنة ثمان عشرة و سبعمائة
و في آخر رجب جاء سيل عظيم بظاهر حمص خرب شيئا كثيرا، و جاء إلى البلد ليدخلها فمنعه الخندق. و في شعبان تكامل بناء الجامع الّذي عمره تنكز ظاهر باب النصر، و أقيمت الجمعة فيه عاشر شعبان، و خطب فيه الشيخ نجم الدين على بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالفقجازى، من مشاهير الفضلاء ذوى الفنون المتعددة، و حضر نائب السلطنة و القضاة و الأعيان و القراء و المنشدون و كان يوما مشهودا. و في يوم الجمعة التي يليها خطب بجامع القبيبات الّذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان، و حضر فيه القضاة و الأعيان، و خطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الرزين الحراني الأسدي الحنبلي، و هو من الصالحين الكبار، ذوى الزهادة و العبادة و النسك و التوجه و طيب الصوت و حسن السمت. و في حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين ابن النقيب إلى حمص حاكما بها مطلوبا مولى مرغوبا فيه، و خرج الناس لتوديعه.
و في هذا الشهر حصل سيل عظيم بسلمية و مثله بالشوبك، و خرج المحمل في شوال و أمير الركب الأمير علاء الدين بن معبد والى البر، و قاضيه زين الدين ابن قاضى الخليل الحاكم بحلب. و ممن حج في هذه السنة من الأعيان: الشيخ برهان الدين الفزاري و كمال الدين ابن الشريشى و ولده و بدر الدين ابن العطار. و في الحادي و العشرين من ذي الحجة انتقل الأمير فخر الدين إياس الأعسرى من شد الدواوين بدمشق إلى طرابلس أميرا. و في يوم الجمعة السابع عشر ذي الحجة أقيمت الجمعة في الجامع الّذي أنشأه الصاحب شمس الدين غبريال ناظر الدواوين بدمشق خارج باب شرقى، إلى جانب ضرار بن الأزور بالقرب من محلة القعاطلة، و خطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن التدمري المعروف بالنيربانى، و هو من كبار الصالحين ذوى العبادة و الزهادة، و هو من أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية، و حضره الصاحب المذكور و جماعة من القضاة و الأعيان.
و في يوم الاثنين و العشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين بن الشريشى توفى بطريق الحجاز في شوال، و قد كان له في مشيختها ثلاث و ثلاثون سنة، و حضر عند الذهبي جماعة من القضاة. و في يوم الثلاثاء صبيحة هذا الدرس أحضر الفقيه زين الدين بن عبيدان الحنبلي من بعلبكّ و حوقق على منام رآه زعم أنه رآه بين النائم و اليقظان، و فيه تخليط و تخبيط و كلام كثير لا يصدر عن مستقيم المزاج، كان كتبه بخطه و بعثه لي بعض أصحابه، فاستسلمه القاضي الشافعيّ و حقن دمه و عزره، و نودي عليه في البلد و منع من الفتوى و عقود الأنكحة، ثم أطلق. و في يوم الأربعاء بكرة باشر بدر الدين محمد بن بضحان مشيخة الأقراء بتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ مجد الدين التونسي توفى، و حضر عنده الأعيان و الفضلاء، و قد حضرته يومئذ، و قبل ذلك باشر مشيخة الأقراء بالأشرفية عوضا عنه أيضا الشيخ