البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٢ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و سبعمائة
نفسا سوى الغرباء، و جملة الدور التي خربها و الحوانيت التي أتلفها نحو من ستمائة دار و حانوت، و جملة البساتين التي جرف أشجارها عشرون بستانا، و من الطواحين ثمانية سوى الجامع و الأمينية و أما الأماكن التي دخلها و أتلف ما فيها و لم تخرب فكثير جدا.
و في هذه السنة زاد النيل زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها من مدد، و غرق بلادا كثيرة، و هلك فيها ناس كثير أيضا، و غرق منية السيرج فهلك للناس فيها شيء كثير، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في مستهل ربيع الآخر منها أغار جيش حلب على مدينة آمد فنهبوا و سبوا و عادوا سالمين. و في يوم السبت تاسع و عشرين منه قدم قاضى المالكية إلى الشام من مصر و هو الامام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن أحمد بن أحمد بن سلامة الإسكندري المالكي، على قضاء دمشق عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين الزواوى لضعفه و اشتداد مرضه، فالتقاه القضاة و الأعيان، و قرئ تقليده بالجامع ثانى يوم وصوله، و هو مؤرخ بثاني عشر الشهر، و قدم نائبة الفقيه نور الدين السخاوي درس بالجامع في جمادى الأولى، و حضر عنده الأعيان، و شكرت فضائله و علومه و نزاهته و صرامته و ديانته، و بعد ذلك بتسعة أيام توفى الزواوى المعزول، و قد باشر القضاء بدمشق ثلاثين سنة. و فيها أفرج عن الأمير سيف الدين بهادر آص من سجن الكرك و حمل إلى القاهرة و أكرمه السلطان، و كان سجنه بها مطاوعة لإشارة نائب الشام بسبب ما كان وقع بينهما بملطية. و خرج المحمل في يوم الخميس تاسع شوال، و أمير الحج سيف الدين كجكنى المنصوري. و ممن حج قاضى القضاة نجم الدين ابن صصريّ و ابن أخيه شرف الدين و كمال الدين بن الشيرازي و القاضي جلال الدين الحنفي و الشيخ شرف الدين بن تيمية و خلق. و في سادس هذا الشهر درس بالجاروضية القاضي جلال الدين محمد بن الشيخ كمال الدين الشريشنى بعد وفاة الشيخ شرف الدين بن أبى سلام، و حضر عنده الأعيان.
و في التاسع عشر منه درس ابن الزملكانى بالعذراوية عوضا عن ابن سلام، و فيه درس الشيخ شرف الدين بن تيمية بالحنبلية عن إذن أخيه له بذلك بعد وفاة أخيهما لأمهما بدر الدين قاسم بن محمد ابن خالد، ثم سافر الشيخ شرف الدين إلى الحج، و حضر الشيخ تقى الدين الدرس بنفسه، و حضر عنده خلق كثير من الأعيان و غيرهم حتى عاد أخوه، و بعد عوده أيضا، و جاءت الأخبار بأنه قد أبطلت الخمور و الفواحش كلها من بلاد السواحل و طرابلس و غيرها، و وضعت مكوس كثيرة عن الناس هنالك، و بنيت بقرى النصيرية في كل قرية مسجد و للَّه الحمد و المنة.
و في بكرة نهار الثلاثاء الثامن و العشرين من شوال وصل الشيخ الامام العلامة شيخ الكتاب شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي على البريد من مصر إلى دمشق متوليا كتابة السر بها، عوضا عن شرف الدين عبد الوهاب بن فضل اللَّه توفى إلى رحمة اللَّه. و في ذي القعدة يوم الأحد درس