البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧ - وقعة قازان
الحنفية، و قد صبروا و أبلوا بلاء حسنا، و لكن كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً، فولى المسلمون لا يلوى أحد على أحد، ثم كانت العاقبة بعد ذلك للمتقين، غير أنه رجعت العساكر على أعقابها للديار المصرية و اجتاز كثير منهم على دمشق، و أهل دمشق في خوف شديد على أنفسهم و أهليهم و أموالهم، ثم إنهم استكانوا و استسلموا للقضاء و القدر، و ما ذا يجدي الحذر إذا نزل القدر، و رجع السلطان في طائفة من الجيش على ناحية بعلبكّ و البقاع، و أبواب دمشق مغلقة، و القلعة محصنة و الغلاء شديد و الحال ضيق و فرج اللَّه قريب، و قد هرب جماعة من أعيان البلد و غيرهم إلى مصر، كالقاضي إمام الدين الشافعيّ، و قاضى المالكية الزواوى، و تاج الدين الشيرازي، و علم الدين الصوابي والى البر، و جمال الدين بن النحاس والى المدينة، و المحتسب و غيرهم من النجار و العوام، و بقي البلد شاغرا ليس فيهم حاكم سوى نائب القلعة.
و في ليلة الأحد ثانى ربيع الأول كسر المحبوسون بحبس باب الصغير الحبس و خرجوا منه على حمية، و تفرقوا في البلد، و كانوا قريبا من مائتي رجل، فنهبوا ما قدروا عليه، و جاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب البراني و خرجوا منه إلى بر البلد، فتفرقوا حيث شاءوا لا يقدر أحد على ردهم، و عاثت الحرافشة في ظاهر البلد فكسروا أبواب البساتين و قلعوا من الأبواب و الشبابيك شيئا كثيرا، و باعوا ذلك بأرخص الأثمان، هذا و سلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد و الشيخ تقى الدين بن تيمية في مشهد على و اتفقوا على المسير إلى قازان لتلقيه، و أخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر فاجتمعوا به عند النبك، و كلمه الشيخ تقى الدين كلاما قويا شديدا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين و للَّه الحمد. و دخل المسلمون ليلتئذ من جهة قازان فنزلوا بالبدرانية و غلقت أبواب البلد سوى باب توما، و خطب الخطيب بالجامع يوم الجمعة، و لم يذكر سلطانا في خطبته، و بعد الصلاة قدم الأمير إسماعيل و معه جماعة من الرسل فنزلوا ببستان الظاهر عند الطرن. و حضر الفرمان بالأمان و طيف به في البلد، و قرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة، و نثر شيء من الذهب و الفضة. و في ثانى يوم من المناداة بالأمان طلبت الخيول و السلاح و الأموال المخبأة عند الناس من جهة الدولة، و جلس ديوان الاستخلاص إذ ذاك بالمدرسة القيمرية، و في يوم الاثنين عاشر الشهر قدم سيف الدين قبجق المنصوري فنزل في الميدان و اقترب جيش التتر و كثر العيث في ظاهر البلد، و قتل جماعة و غلت الأسعار بالبلد جدا، و أرسل قبجق إلى نائب القلعة ليسلمها إلى التتر فامتنع أرجواش من ذلك أشد الامتناع، فجمع له قبجق أعيان البلد فكلموه أيضا فلم يجبهم إلى ذلك، و صمم على ترك تسليمها إليهم و بها عين تطرف، فان الشيخ تقى الدين بن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك، لو لم يبق فيها