البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - سفر نائب السلطنة إلى الديار المصرية
ركب هو و نائب السلطنة بعد العشاء الأخيرة في المشاعل، و الحجبة بين أيديهما و لخلائق يدعون لنائبهم، و استمروا كذلك ذاهبين إلى الديار المصرية، فأكرمه يلبغا و أنعم عليه و سأله أن يكون ببلاد حلب، فأجابه إلى ذلك و عاد فنزل بدار سنجر الإسماعيلي، و ارتحل منها إلى حلب، و قد اجتمعت به هنالك و تأسف الناس عليه، و ناب في الغيبة الأمير سيف الدين زبالة، إلى أن قدم النائب المعز السيفي قشتمر عبد الغنى على ما سيأتي. و توفى القاضي شمس الدين بن منصور الحنفي الّذي كان نائب الحكم (رحمه اللَّه) يوم السبت السادس و العشرين من المحرم، و دفن بالباب الصغير، و قد قارب الثمانين.
و في هذا اليوم أو الّذي بعده توفى القاضي شهاب الدين أحمد ابن الوزوازة ناظر الأوقاف بالصالحية. و في صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر نودي في البلد أن لا يتخلف أحد من أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك فبادر الناس و الجيش ملبسين إلى سطح المزة، و خرج ملك الأمراء أمير على كان نائب الشام من داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة و تجمل هائل، و ولده الأمير ناصر الدين محمد و طلبه معه، و قد جاء نائب الغيبة و الحجبة إلى بين يديه إلى وطاقه و شاوروه في الأمر، فقال: ليس لي هاهنا أمر، و لكن إذا حضر الحرب و القتال فلي هناك أمر، و خرج خلق من الناس متبرعين، و خطب قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ بالناس يوم الجمعة على العادة، و حرض الناس على الجهاد، و قد ألبس جماعة من غلمانه اللأمة و الخوذ و هو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت و للَّه الحمد و المنة. و لما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم و قد ورد الخبر بأن المراكب التي رئيت في البحر إنما هي مراكب تجار لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، و لكن ظهر منهم استعداد عظيم و للَّه الحمد.
و في ليلة الأحد خامس صفر قدم بالأمير سيف الدين شرشى الّذي كان إلى آخر وقت نائب حلب محتاطا عليه بعد العشاء الآخرة إلى دار السعادة بدمشق، فسير معزولا عن حلب إلى طرابلس بطالا، و بعث في سرجين صحبة الأمير علاء الدين بن صبح.
و بلغنا وفاة الشيخ جمال الدين بن نباتة حامل لواء شعراء زمانه بديار مصر بمرستان الملك المنصور قلاوون، و ذلك يوم الثلاثاء سابع صفر من هذه السنة (رحمه اللَّه تعالى). و في ليلة ثامنه هرب أهل حبس السد من سجنهم و خرج أكثرهم فأرسل الولاة صبيحة يومئذ في أثرهم فمسك كثير ممن هرب فضربوهم أشد الضرب، و ردوهم إلى شر المنقلب.
و في يوم الأربعاء خامس عشره نودي بالبلدان أن لا يعامل الفرنج البنادقة و الحبوبة و الكيتلان و اجتمعت في آخر هذا اليوم بالأمير زين الدين زبالة نائب الغيبة النازل بدار الذهب فأخبرني أن