البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٠ - غريبة من الغرائب و عجيبة من العجائب
قطب الدين محمد بن الحسن الحاكم بحمص، جاء إلى دمشق لتلقى أخى زوجته قاضى القضاة تاج الدين السبكى الشافعيّ، فتمرض من مدة ثم كانت وفاته بدمشق، فصلى عليه بالجامع كما ذكرنا، و خارج باب الفرج، ثم صعدوا به إلى سفح جبل قاسيون، و قد جاوز الثمانين بسنتين، و قد حدث و روى شيئا يسيرا (رحمه اللَّه).
و في يوم الأحد ثالثه قدم قاضيا الحنفية و الحنابلة بحلب و الخطيب بها و الشيخ شهاب الدين الاذرعى، و الشيخ زين الدين البارينى و آخرون معهم، فنزلوا بالمدرسة الاقبالية و هم و قاضى قضاتهم الشافعيّ، و هو كمال الدين المصري مطلوبون إلى الديار المصرية، فتحرر ما ذكروه عن قاضيهم و ما نقموه عليه من السيرة السيئة فيما يذكرون في المواقف الشريفة بمصر، و توجهوا إلى الديار المصرية يوم السبت عاشره.
و في يوم الخميس قدم الأمير زين الدين زبالة نائب القلعة من الديار المصرية على البريد في تجمل عظيم هائل، و تلقاه الناس بالشموع في أثناء الطريق، و نزل بدار الذهب، و راح الناس للسلام عليه و تهنئته بالعود إلى نيابة القلعة، على عادته، و هذه ثالث مرة وليها لأنه مشكور السيرة فيها، و له فيها سعى محمود في أوقات متعددة.
و في يوم الخميس الحادي و العشرين صلى نائب السلطنة و القاضيان الشافعيّ و الحنفي و كاتب السر و جماعة من الأمراء و الأعيان بالمقصورة و قرئ كتاب السلطان على السدة بوضع مكس الغنم إلى كل رأس بدرهمين، فتضاعفت الأدعية لولى الأمر، و لمن كان السبب في ذلك.
غريبة من الغرائب و عجيبة من العجائب
و قد كثرت المياه في هذا الشهر و زادت الأنهار زيادة كثيرة جدا، بحيث إنه فاض الماء في سوق الخيل من نهر بردي حتى عم جميع العرصة المعروفة بموقف الموكب، بحيث إنه أجريت فيه المراكب بالكلك، و ركبت فيه المارة من جانب إلى جانب، و استمر ذلك جمعا متعددة، و امتنع نائب السلطنة و الجيش من الوقوف هناك، و ربما وقف نائب السلطنة بعض الأيام تحت الطارمة تجاه باب الاسطبل السلطاني، و هذا أمر لم يعهد مثله و لا رأيته قط في مدة عمري، و قد سقطت بسبب ذلك بنايات و دور كثيرة، و تعطلت طواحين كثيرة غمرها الماء.
و في ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى توفى الصدر شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ عز الدين بن منجى التنوخي بعد العشاء الآخرة، و صلى عليه بجامع دمشق بعد صلاة الظهر، و دفن بالسفح. و في صبيحة هذا اليوم توفى الشيخ ناصر الدين محمد بن أحمد القونوي الحنفي، خطيب جامع يلبغا، و صلى عليه عقيب صلاة الظهر أيضا، و دفن بالصوفية، و قد باشر عوضه الخطابة و الإمامة