البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٨ - ثم دخلت سنة أربع و ستين و سبعمائة
السلسلة الواحدة فقطعها، ثم مر على الأخرى فقطعها و خرج من باب النصر و لم يعرف لأنه ملثم.
و في حادي عشر صفر و قبله بيوم قدم البريد من الديار المصرية بطلب الأمير سيف الدين زبالة أحد أمراء الألوف إلى الديار المصرية مكرما، و قد كان عزل عن نيابة القلعة بسبب ما تقدم، و جاء البريد أيضا و معه التواقيع التي كانت بأيدي ناس كثير، زيادات على الجامع، ردت إليهم و أقروا على ما بأيديهم من ذلك، و كان ناظر الجامع الصاحب تقى الدين بن مراجل قد سعى برفع ما زيد بعد التذكرة التي كانت في أيام صرغتمش، فلم يف ذلك، و توجه الشيخ بهاء الدين بن السبكى قاضى قضاة الشام الشافعيّ من دمشق إلى الديار المصرية يوم الأحد سادس عشر صفر من هذه السنة، و خرج القضاة و الأعيان لتوديعه، و قد كان أخبرنا عند توديعه بأن أخاه قاضى القضاة تاج الدين قد لبس خلعة القضاء بالديار المصرية، و هو متوجه إلى الشام عند وصوله إلى ديار مصر، و ذكر لنا أن أخاه كاره للشام. و أنشدنى القاضي صلاح الدين الصفدي ليلة الجمعة رابع عشره لنفسه فيما عكس عن المتنبي في يديه من قصيدته و هو قوله:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا* * * فأيسر ما يمر به الوصول
و قال دخول دمشق يكسبنا نحولا* * * كأن لها دخولا في البرايا
إذا اعتاد الغريب الخوض فيها* * * فأيسر ما يمر به المنايا
و هذا شعر قوى، و عكس جلى، لفظا و معنى.
و في ليلة الجمعة الحادي و العشرين من صفر عملت خيمة حافلة بالمارستان الدقاقى جوار الجامع، بسبب تكامل تجديده قريب السقف مبنيا باللبن، حتى قناطره الأربع بالحجارة البلق، و جعل في أعاليه قمريات كبار مضيئة، و فتق في قبلته إيوانا حسنا زاد في أعماقه أضعاف ما كان، و بيضه جميعه بالجص الحسن المليح، و جددت فيه خزائن و مصالح، و فرش و لحف جدد، و أشياء حسنة، فأثابه اللَّه و أحسن جزاءه آمين، و حضر الخيمة جماعات من الناس من الخواص و العوام، و لما كانت الجمعة الأخرى دخله نائب السلطنة بعد الصلاة فأعجبه ما شاهده من العمارات، و أخبره بما كانت عليه حاله قبل هذه العمارة، فاستجاد ذلك من صنيع الناظر.
و في أول ربيع الآخر قدم قاضى القضاة تاج الدين السبكى من الديار المصرية على قضاء الشام عودا على بدء يوم الثلاثاء رابع عشره فبدأ بالسلام على نائب السلطنة بدار السعادة، ثم ذهب إلى دار الأمير على بالقصاعين فسلم عليه، ثم جاء إلى العادلية قبل الزوال، ثم جاءه الناس من الخاص و العام يسلمون عليه و يهنونه بالعود، و هو يتودد و يترحب بهم. ثم لما كان صبح يوم الخميس سادس عشره لبس الخلعة بدار السعادة ثم جاء في أبهة هائلة لابسها إلى العادلية فقرئ تقليده بها بحضرة