البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - و الشيخ القدوة العابد الزاهد الورع
معهم نائب حمص الجوكندرانى و وصلوا إلى حماة فصحبهم نائبها الأمير سيف الدين قبجق، و جاء إليهم استدمر نائب طرابلس، و انضاف إليهم قراسنقر نائب حلب و انفصلوا كلهم عنها و افترقوا فرقتين فرقة سارت صحبة قبجق إلى ناحية ملطية، و قلعة الروم، و الفرقة الأخرى صحبة قراسنقر حتى دخلوا الدربندات و حاصروا تل حمدون فتسلموه عنوة في ثالث ذي القعدة بعد حصار طويل، فدقت البشائر بدمشق لذلك، و وقع مع صاحب سيس على أن يكون للمسلمين من نهر جيهان إلى حلب و بلاد ما وراء النهر إلى ناحيتهم لهم، و أن يعجلوا حمل سنتين، و وقعت الهدنة على ذلك، و ذلك بعد أن قتل خلق من أمراء الأرمن و رؤسائهم، و عادت العساكر إلى دمشق مؤيدين منصورين، ثم توجهت العساكر المصرية صحبة مقدمهم أمير سلاح إلى مصر.
و في أواخر السنة كان موت قازان و تولية أخيه خربندا. و هو ملك التتار قازان و اسمه محمود بن أرغون بن أبغا، و ذلك في رابع عشر شوال أو حادي عشره أو ثالث عشره، بالقرب من همدان و نقل إلى تربته بيبرين بمكان يسمى الشام، و يقال إنه مات مسموما، و قام في الملك بعده أخوه خربندا محمد بن أرغون، و لقبوه الملك غياث الدين، و خطب له على منابر العراق و خراسان و تلك البلاد.
و حج في هذه السنة الأمير سيف الدين سلار نائب مصر و في صحبته أربعون أميرا، و جميع أولاد الأمراء، و حج معهم وزير مصر الأمير عز الدين البغدادي، و تولى مكانه بالبركة ناصر الدين محمد الشيخى، و خرج سلار في أبهة عظيمة جدا، و أمير ركب المصريين الحاج إباق الحسامى، و ترك الشيخ صفى الدين مشيخة الشيوخ فوليها القاضي عبد الكريم بن قاضى القضاة محيي الدين ابن الزكي، و حضر الخانقاه يوم الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة و حضر عنده ابن صصريّ و عز الدين القلانسي، و الصاحب ابن ميسر، و المحتسب و جماعة.
و في ذي القعدة وصل من التتر مقدم كبير قد هرب منهم إلى بلاد الإسلام و هو الأمير بدر الدين جنكى بن البابا، و في صحبته نحو من عشرة، فحضروا الجمعة في الجامع، و توجهوا إلى مصر، فأكرم و أعطى إمرة ألف، و كان مقامه ببلاد آمد، و كان يناصح السلطان و يكاتبه و يطلعه على عورات التتر، فلهذا عظم شأنه في الدولة الناصرية.
و ممن توفى فيها من الأعيان
ملك التتر قازان.
و الشيخ القدوة العابد الزاهد الورع
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي بن محمد بن عبد الكريم الرقى الحنبلي، كان أصله من بلاد الشرق، و مولده بالرقة في سنة سبع و أربعين و ستمائة، و اشتغل و حصل و سمع شيئا من