البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - دخول السلطان الملك المنصور محمد بن الملك المظفر أمير حاج بن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون
من أنواع الملابس قباز بخارى، و القبة و الطير يحملهما على رأسه الأمير سيف الدين تومان تمر، الّذي كان نائب طرابلس، و الأمراء مشاة بين يديه، و البسط تحت قدمي فرسه، و البشائر تضرب خلفه فدخل القلعة المنصورة المنصورية لا البدرية. و رأى ما قد أرصد بها من المجانيق و الأسلحة، فاشتد حنقه على بيدمر و أصحابه كثيرا، و نزل الطارمة، و جلس على سرير المملكة و وقف الأمراء و النواب بين يديه، و رجع الحق إلى نصابه، و قد كان بين دخوله و دخول عمه الصالح صالح في أول يوم من رمضان، و هذا في التاسع و العشرين منه، و قد قيل إنه سلخه و اللَّه أعلم. و شرع الناس في الزينة.
و في صبيحة يوم الثلاثاء سلخ الشهر نقل الأمراء المغضوب عليهم الذين ضل سعيهم فيما كانوا أبرموه من ضمير سوء للمسلمين إلى القلعة فأنزلوا في أبراجها مهانين مفرقا بينهم، بعد ما كانوا بها آمنين حاكمين، أصبحوا معتقلين مهانين خائفين، فجاروا بعد ما كانوا رؤساء، و أصبحوا بعد عزهم أذلاء، و نقبت أصحاب هؤلاء و نودي عليهم في البلد، و وعد من دل على أحد منهم بمال جزيل، و ولاية إمرة بحسب ذلك، و رسم في هذا اليوم على الرئيس أمين الدين ابن القلانسي كاتب السر، و طلب منه ألف ألف درهم، و سلم إلى الأمير زين الدين زبالة نائب القلعة، و قد أعيد إليها و أعطى تقدمة ابن قراسنقر، و أمره أن يعاقبه إلى أن يزن هذا المبلغ، و صلى السلطان و أمراؤه بالميدان الأخضر صلاة العيد، ضرب له خام عظيم و صلى به خطيبا القاضي تاج الدين الساوي الشافعيّ، قاضى العسكر المنصورة للشافعية، و دخل الأمراء مع السلطان للقلعة من باب المدرسة، و مد لهم سماطا هائلا أكلوا منه ثم رجعوا إلى دورهم و قصورهم، و حمل الطير في هذا اليوم على رأس السلطان الأمير على نائب دمشق، و خلع عليه خلعة هائلة.
و في هذا اليوم مسك الأمير تومان تمر الّذي كان نائب طرابلس، ثم قدم على بيدمر، فكان معه، ثم قفل إلى المصريين و اعتذر إليهم فعذروه فيما يبدو للناس، و دخل و هو حامل الخبز على رأس السلطان يوم الدخول، ثم ولوه نيابة حمص، فصغروه و حقروه، ثم لما استمر ذاهبا إليها فكان عند القابون أرسلوا إليه فأمسكوه و ردوه، و طلب منه المائة ألف التي كان قبضها من بيدمر، ثم ردوه إلى نيابة حمص.
و في يوم الخميس اشتهر الخبر بأن طائفة من الجيش بمصر من طواشية و خاصكية ملكوا عليهم حسين الناصر ثم اختلفوا فيما بينهم و اقتتلوا، و أن الأمر قد انفصل و رد حسين للمحل الّذي كان معتقلا فيه، و أطفأ اللَّه شر هذه الطائفة و للَّه الحمد.
و في آخر هذا اليوم لبس القاضي ناصر الدين بن يعقوب خلعة كتابة السر الشريفية، و المدرستين، و مشيخة الشيوخ عوضا عن الرئيس علاء الدين بن القلانسي، عزل و صودر، و راح