البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق
إلى دار السعادة، و رحل بين يديه. و في يوم الخميس الحادي و العشرين منه دخل الأمير سيف الدين يلبغا الّذي كان نائبا بالديار المصرية، ثم مسك بالحجاز و أودع الكرك، ثم أخرج في هذه الدولة و أعطى نيابة حلب، فتلقاه نائب السلطنة و أنزل دار السعادة حين أضافه. و نزل و طاقة بوطأة برزة و ضربت له خيمة بالميدان الأخضر.
ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان الديار المصرية و البلاد الشامية و الحرمين الشريفين و ما يتبع ذلك الملك الصالح صلاح الدين، صالح بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، و الخليفة الّذي يدعى له المعتضد بأمر اللَّه، و نائب الديار المصرية الأمير سيف الدين قبلاى، و قضاة مصرهم المذكورون في التي قبلها، و الوزير القاضي ابن زنبور، و أولو الأمر الذين يدبرون المملكة فلا تصدر الأمور إلا عن آرائهم لصغر السلطان المذكور جماعة من أعيانهم ثلاثة سيف الدين شيخون، و طار و حر عيمش، و نائب دمشق الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، و قضاتها هم المذكورون في التي قبلها، و نائب البلاد الحلبية الأمير سيف الدين يلبغا أروش، و نائب طرابلس الأمير سيف الدين بكلمش، و نائب حماة الأمير شهاب الدين أحمد بن مشد الشريخانة، و وصل بعض الحجاج إلى دمشق في تاسع الشهر- و هذا نادر- و أخبروا بموت المؤذن شمس الدين بن سعيد بعد منزلة العلاء في المدابغ.
و في ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه فاحترق به دكان القفاعى الكبيرة المزخرفة و ما حولها، و اتسع اتساعا فظيعا، و اتصل الحريق بالباب الأصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس و نقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد على، ثم عدوا عليه يكسرون خشبة بالفئوس الحداد، و السواعد الشداد، و إذا هو من خشب الصنوبر الّذي في غاية ما يكون من القوة و الثبات، و تأسف الناس عليه لكونه كان من محاسن البلد و معالمه. و له في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة.
انتهى و اللَّه أعلم.
ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق
الّذي كان هلاكه و ذهابه و كسره في هذه السنة، و هو باب سر في جامع دمشق لم ير باب أوسع و لا أعلى منه، فيما يعرف من الابنية في الدنيا، و له علمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضا بارزة، من عجائب الدنيا، و محاسن دمشق و معالمها، و قد تم بناؤها. و قد ذكرته العرب في أشعارها و الناس و هو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أدم بن سام بن نوح، و هو الّذي بناه، و كان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام، بل قبل ثمود و هود أيضا، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه و غيره، و كان فوقه حصن عظيم، و قصر منيف، و يقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الّذي بناه لسليمان عليه السلام، و كان اسم ذلك المارد جيرون، و الأول أظهر