البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - أوائل وقعة شقحب
بغاة على الامام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه. فقال الشيخ تقى الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على على و معاوية، و رأوا أنهم أحق بالأمر منهما، و هؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، و يعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي و الظلم، و هم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء و الناس لذلك، و كان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب و على رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار و قويت قلوبهم و نياتهم و للَّه الحمد.
و لما كان يوم الرابع و العشرين من شعبان خرجت العساكر الشامية فخيمت على الجسورة من ناحية الكسوة، و معهم القضاة، فصار الناس فيهم فريقين فريق يقولون إنما ساروا ليختاروا موضعا للقتال فان المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال، و قال فريق: إنما ساروا لتلك الجهة ليهربوا و ليلحقوا بالسلطان. فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكسوة فقويت ظنون الناس في هربهم، و قد وصلت التتار إلى قارة، و قيل إنهم وصلوا إلى القطيعة، فانزعج الناس لذلك شديدا و لم يبق حول القرى و الحواضر أحد، و امتلأت القلعة و البلد و ازدحمت المنازل و الطرقات، و اضطرب الناس و خرج الشيخ تقى الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة، و صحبته جماعة ليشهد القتال بنفسه و من معه، فظنوا أنه إنما خرج هاربا فحصل اللوم من بعض الناس و قالوا أنت منعتنا من الجفل و ها أنت هارب من البلد؟ فلم يرد عليهم و بقي البلد ليس فيه حاكم، و جاس اللصوص و الحرافيش فيه و في بساتين الناس يخربون و ينتهبون ما قدروا عليه، و يقطعون المشمش قبل أوانه و الباقلاء و القمح و سائر الخضراوات، و حيل بين الناس و بين خبر الجيش، و انقطعت الطرق إلى الكسوة و ظهرت الوحشة على البلد و الحواضر، و ليس للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يمينا و شمالا، و إلى ناحية الكسوة فتارة يقولون: رأينا غبرة فيخافون أن تكون من التتر، و يتعجبون من الجيش مع كثرتهم و جودة عدتهم و عددهم، أين ذهبوا؟ فلا يدرون ما فعل اللَّه بهم، فانقطعت الآمال و ألح الناس في الدعاء و الابتهال و في الصلوات و في كل حال، و ذلك يوم الخميس التاسع و العشرين من شعبان، و كان الناس في خوف و رعب لا يعبر عنه، لكن كان الفرج من ذلك قريبا، و لكن أكثرهم لا يفلحون، كما جاء في حديث أبى رزين «عجب ربك من قنوط عباده و قرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب [١]».
فلما كان آخر هذا اليوم وصل الأمير فخر الدين إياس المرقبي أحد أمراء دمشق، فبشر الناس بخير، هو أن السلطان قد وصل وقت اجتمعت العساكر المصرية و الشامية، و قد أرسلنى أكشف هل طرق
[١] في سنن ابن ماجة في كتاب السنة «ضحك ربنا إلخ» و الأزل: شدة القنوط.